نوفمبر 7, 2026

الدراما المصرية واللبنانية… مقارنة بين التنوع والتكرار في صناعة الأعمال والنجوم

الدراما المصرية واللبنانية… مقارنة بين التنوع والتكرار في صناعة الأعمال والنجوم
فؤاد كيالي-كاتب ومخرج إذاعي

عند متابعة الإنتاج التلفزيوني المصري واللبناني، يبرز تفاوت واضح في طبيعة الأعمال والخيارات الدرامية، وكأننا أمام مدرستين مختلفتين في صناعة المسلسل التلفزيوني.

 

فالدراما المصرية تتمتع بمساحة واسعة من التنوع، إذ تنتقل بين القصص الاجتماعية والإنسانية، والأعمال التاريخية، والسير الذاتية، والكوميديا، والتشويق، والدراما الشعبية والنفسية. وهذا التنوع لا يقتصر على الموضوعات، بل ينحسب أيضاً على الوجوه التمثيلية، حيث نشهد أسماء جديدة وممثلين من أجيال وخلفيات فنية مختلفة، مما يمنح المشهد التلفزيوني حيوية متجددة.

 

أما الدراما اللبنانية، فيبدو أنها أسيرة مجموعة من القوالب التي اعتادت الدوران في فلكها؛ خيانة زوجية، علاقات عاطفية متشابكة، عصابات، انتقام، وصراعات عائلية، ضمن حبكات تتشابه في مساراتها ومعالجاتها، حتى وإن اختلفت الشخصيات والتفاصيل. وهذا التكرار يضعف عنصر المفاجأة، ويجعل المشاهد أحياناً يتوقع مسار الأحداث قبل بلوغها نهايتها.

 

لكن المشكلة لا تقف عند حدود تكرار الموضوعات، بل تتعداها إلى أزمة في الخيال الإنتاجي والجرأة على التجديد. أين الأعمال التي تستعيد محطات من تاريخ لبنان؟ أين السير الذاتية لشخصيات تركت بصماتها في الحياة الثقافية والفنية والاجتماعية؟ أين الكوميديا التي تلتقط نبض الشارع اللبناني وتناقضاته؟ وأين الدراما الاجتماعية التي تقترب من أزمات الناس الحقيقية، بدلاً من حصر العلاقات الإنسانية في الخيانة والانتقام والصراعات المفتعلة؟

 

لبنان بلد غني بالحكايات والشخصيات والتحولات، وفي تاريخه ومجتمعه مادة درامية تكفي لعشرات الأعمال المختلفة. ومع ذلك، يبدو أن جزءاً كبيراً من الإنتاج يفضّل البقاء في المنطقة الآمنة، حيث الوصفات المجربة والموضوعات المضمونة، وكأن المغامرة الفنية أصبحت مخاطرة غير مرغوبة.

 

حتى الأعمال التي تُصنّف ضمن الكوميديا أو الدراما الاجتماعية تطرح علامات استفهام حول طبيعة مضمونها والجمهور الذي تخاطبه. فهل «مرحبا دولة» يمثّل فعلاً الكوميديا العائلية التي يمكن أن تجتمع الأسرة حولها؟ وهل «الثمن»، رغم تصنيفه ضمن الدراما الاجتماعية والرومانسية، يُعدّ نموذجاً للعمل العائلي الذي يناسب مختلف الأعمار؟

 

السؤال هنا ليس عن تصنيف المسلسل بقدر ما هو عن طبيعة المحتوى والرسالة التي يقدمها. فأين الأعمال اللبنانية التي تخاطب العائلة بمختلف أجيالها؟ وأين الكوميديا التي تجمع الأهل والأبناء أمام الشاشة، والدراما الاجتماعية التي تعالج قضايا الحياة اليومية من دون أن تحصر نفسها في موضوعات محدودة؟

 

أما على مستوى التمثيل، فثمة ملاحظة أخرى لا يمكن تجاهلها: الوجوه نفسها تتكرر من مسلسل إلى آخر، حتى بات المشاهد يصادف الممثلين ذاتهم في أدوار متشابهة، وكأن الساحة الفنية محصورة في دائرة مغلقة. أين المواهب الجديدة؟ أين فرص اكتشاف جيل مختلف؟ ولماذا لا تتسع مساحة الاختيار لتشمل أسماء قادرة على تقديم نكهة جديدة للشاشة؟

 

ثمة فارق آخر يستحق التوقف عنده، يتعلق بمفهوم البطولة والنجومية. ففي الدراما المصرية، غالباً ما تُمنح البطولة لممثل يمتلك رصيداً فنياً وقدرة على تجسيد الشخصية، حتى لو لم يكن مطابقاً لمعايير الوسامة والجمال التقليدية. فالموهبة والحضور والأداء هي التي تصنع النجم وتمنحه مكانته.

 

أما في جزء من الإنتاج اللبناني، فيبدو أن معايير الاختيار تمنح الجمال الخارجي والوسامة مساحة أكبر مما تستحق، حتى بات المظهر في بعض الأحيان عاملاً أساسياً في صناعة الشهرة وتصدّر الأدوار الأولى، على حساب الموهبة والخبرة والقدرة على حمل شخصية درامية معقدة.

 

ذلك لا يعني التقليل من أهمية الصورة والجاذبية في العمل التلفزيوني، لكنهما لا يمكن أن يكونا بديلاً عن الموهبة. فالنجومية الحقيقية لا تُقاس بملامح الوجه، بل بقدرة الممثل على إقناع المشاهد، وترك أثر في ذاكرته، ومنح الشخصية حياة تتجاوز حدود الشاشة.

 

ولا يمكن هنا تجاهل مسؤولية شركات الإنتاج والجهات التلفزيونية، فالعمل الدرامي لا يصنعه الممثل وحده، بل تبدأ هويته من النص، مروراً بالإخراج والإنتاج، وصولاً إلى اختيار الممثلين. وعندما تتكرر الخيارات ذاتها، فمن الطبيعي أن تتكرر النتائج ذاتها أيضاً.

 

وثمة مشكلة أخرى تتمثل في الخلط بين الإثارة والدراما,فليس كل مسلسل مليء بالخيانة والجرائم والمواجهات عملاً عميقاً، وليس كل تصعيد في الأحداث دليلاً على جودة الكتابة. الدراما الحقيقية تحتاج إلى شخصيات مركبة، وحوارات مقنعة، ورؤية إنسانية، وقدرة على ملامسة الواقع بدون الوقوع في فخ المبالغة والافتعال.

 

لا يعني ذلك أن الإنتاج المصري يخلو من التكرار أو أن كل أعماله تحقق النجاح الفني، كما لا يعني أن الدراما اللبنانية تفتقر إلى الأعمال الجيدة والاستثناءات. لكن المقارنة تكشف اختلافاً في اتساع الخيارات وتنوع الإنتاج، وتطرح تساؤلات مشروعة حول مستقبل الصناعة الدرامية في لبنان.

 

فالدراما ليست مجرد موسم تلفزيوني، ولا مجموعة وجوه اعتادها الجمهور، ولا وصفة جاهزة يعاد تدويرها كل عام. إنها صناعة ثقافية تعكس المجتمع وتاريخه وتحولاته، وتحتاج إلى جرأة في الكتابة، واستثمار في المواهب، وانفتاح على موضوعات لم تُطرق من قبل.

 

المشاهد اللبناني لا يحتاج إلى مسلسل آخر عن الخيانة والعصابات بقدر ما يحتاج إلى حكاية جديدة، ووجوه جديدة، ودراما تحترم ذكاءه وتمنحه سبباً حقيقياً لانتظار الحلقة التالية. فالجمال قد يلفت النظر، لكن الموهبة وحدها تصنع نجماً.

عن المؤلف


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شارك برأيك
استفتاء عام

📊 رأيك يهمنا

شارك بتصويتك والتأثير في الرأي العام

🎤 ما هي الوسيلة التي تفضلها لمعرفة اخر الاخبار وقت الأزمات؟

١
مجموعات whatsapp 44%
٢
التلفزيـون 27%
٣
المواقع الإخبـاريـة 29%

جاري تسجيل تصويتك...