في ذكرى رحيل الرئيس الدكتور سليم الحص، الذي غيّبه الموت في 25 آب 2024، تعيد مجلة «ليل نهار» نشر المقابلة التي أجرتها معه، مستعيدةً حوارًا مع رجلٍ ترك بصمةً بارزة في تاريخ لبنان السياسي، وعُرف بمواقفه الوطنية وحضوره الهادئ وحكمته ورصانته.
رحم الله الرئيس سليم الحص، أحد رجالات لبنان الذين تركوا حضورًا لا يُنسى في ذاكرة الوطن
أسرار وخبايا الوجه الآخر لحياته
عاش طفولته يتيماً، ربته والدته بحب وحنان لكنها رحلت في وقت مبكر، فتكبدت مصاريف تعليمه خالته إلى أن حصل على منحة دراسية ودرس الاقتصاد.. الصدفة غيرت مجرى حياته وقادته إلى عالم السياسة التي برع فيها وصار رئيساً للحكومة.. يعترف أنه يشعر بالملل حالياً وأن السياسة لم تعد تعنيه، لكنه يتابعها يومياً..
سليم الحص،
من مواليد 20 كانون الأول 1929، بيروت، لبنان. أرمل منذ 12 أيار 1990، لديه ابنة وحيدة (وداد)، حاصل على بكالوريوس إدارة أعمال بتفوق من الجامعة الأميركية في بيروت 1952، ماجستير إدارة أعمال من الجامعة الأميركية في بيروت 1957، دكتوراه في إدارة الأعمال والاقتصاد من جامعة أنديانا في الولايات المتحدة الأميركية بموجب منحة من روكفلر 1961.
الرئيس سليم الحص فتح قلبه لـ”ليل نهار” وكشف عن مكنوناته في هذا الحوار حيث قال بداية:
أنا أصغر إخوتي، عائلتي مؤلفة من 5 أولاد ثلاث بنات وصبيان، فقدت والدي وعمري 7 أشهر فنشأت يتيماً. مواردنا كانت جد محدودة، في بداية عهدي بالدراسة، رافقت شقيقاتي إلى مدرسة المقاصد للبنات لمدة سنة واحدة، ومن بعدها انتقلت إلى المقاصد الخاصة بالصبيان (الحرش) للمرحلة الابتدائية قبل الشهادة الرسمية. كان ذلك خلال الحرب العالمية الثانية. في تلك المرحلة كان زوج خالتي يعمل مع الجيش، وتبنتني ابنة خالتي ونقلتني إلى مدرسة الـ “أي سي”، ودَفعتْ أقساطي لمدة أربع سنوات وتوقفت، إلى أن توفي خالي الثري، وورثت خالتي منه ثروة محترمة، وصارت تدفع أقساطي المدرسية، وتعهدتني فتوقفت ابنة خالتي عن الدفع. واستمررت في ذلك حتى الـ “فراشمان”، وأنا كنت من المتفوقين، على عكس المقاصد حيث كنت من المتخلفين، والسبب أنه في الـ “أي سي” صار عندي حافز، فعندما توقفوا عن الدفع توليت أمور نفسي بنفسي، فطلبت مساعدة جزئية من الجامعة، وسددت باقي القسط من عملي، حيث كنت أعمل في الجامعة في تصحيح الأوراق إذ كان الأستاذ يعطيني الأوراق مع الأجوبة وعملت على هذا الأساس. لم يكن يحق لي بالعمل لأكثر من 10 ساعات، (وكنت أعمل بالساعة).
■ كم كنت تأخذ في الساعة؟
نسيت.. لكنني كنت أدّخر ما أحصل عليه وأدفع للجامعة وعند تخرجي بعد 3 سنوات قالوا لي لديك رصيد مالي، لم أكن أعلم بشأنه شيئاً، فأخذته تخرجت من قسم العلوم التجارية من الجامعة الأميركية بتفوق.. كنت الأول في الصف، ومن أجل ذلك كنت أحصل على المساعدات بسهولة.
■ عشت في فترة صعبة في مراحل الطفولة والجامعة؟
أمي، رحمها الله، كانت موجودة أثناءها.. وكانت ترعانا بعينيها.
■ هل لجأت إلى السياسة بعد الجامعة؟
ولا مرة فكرت بالسياسة.. كنت بعيداً عنها. لكن دخلت هذا المجال بالصدفة، عندما تخرجت طلبت العمل في إحدى الشركات في الحمراء في قسم المحاسبة.. وكان هذا أول عمل لي بعد التخرج، وبعدها صرت أنتقل من مكان إلى آخر.
■ هل كنت تساعد أهلك مادياً؟
بالطبع.. كل ما كنت أحصل عليه كنت أصرفه على لوازم البيت. أخي الأكبر خليل لم يتابع دراسته فهو لم يكن فالحاً في المدرسة، وتوفي عن عمر 45 سنة، حتى شقيقاتي لم يتابعن تحصيلهن العلمي.
■ كيف كانت علاقتك مع العائلة؟ كيف واجهت المشاكل وكيف ربطت بين تعليمك والمطالب الحياتية؟
والدتي ربتنا بشدة وقسوة وكنا نحترمها.. لا أزال حتى الآن أذكرها باحترام شديد. كنت أحبها وأنا كنت مميزاً في العائلة كوني الأصغر وخالتي غير المتزوجة كانت كثيرة العطف عليّ، حتى إخوتي كانوا يعاملونني بعطف شديد.
■ سليم الحص، الإنسان اللبناني المناضل.. هل كان مكانك محفوظاً؟
الذي يعمل ويناضل لا تضيع عليه حقوقه. نحن كنا متواضعين ولا نطلب أكثر مما نستطيع أن نحصل عليه.
■ من أطلق عليك لقب ضمير لبنان؟ وماذا يعني لك؟
في الحقيقة لا أذكر مَن أطلق اللقب عليّ، لكن هذا يشرّفني.
■ لنتكلم عن حنينك إلى الماضي.. ما أكثر ما تحن إليه من الذكريات؟
هي ذكرى والدتي التي كانت كل حياتي وأغلى ما لديّ.. كنت أسعى للحصول على رضاها.. الله سبحانه وتعالى وصى بالوالدين (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً). لم يكن لدي غيرها، كانت حنونة وطيبة ولها فضل كبير علينا ولا نستطيع أن ننساها.. كنا نقدرها ونحبها كثيراً.
■ ما هو العمل الثاني الذي أديته؟
تنقلت من وظيفة إلى أخرى.. الشيخ سعيد حمادة (رحمه الله) كان رئيس دائرة العلوم التجارية في الجامعة، بعد تخرجي بتفوق صرت على علاقة طيبة معه وعرض عليّ أن أدرّس في الجامعة الأميركية بدائرة العلوم التجارية. في البداية درّست المحاسبة التي كنت بارعاً فيها، ثم درّست التمويل، ومن ثم الاقتصاد. استمررت في التعليم لفترة طويلة لكنها كانت متقطعة وحصلت خلالها على الماسترز، ثم حصلت على منحة إلى أميركا لمدة سنتين، ومن بعدها طلبت منحة أخرى من “أنديانا يونيفيرسيتي”، فحصلت على شهادة دكتوراه في الاقتصاد، وعدت إلى التدريس وترقيت إلى منصب مساعد مدرس، ثم حصلت على منصب أكبر.
■ ما هي المحطة الثانية لك بعد الجامعة؟ هل كانت السياسة؟
حصلت على الدكتوراه، ودرّست في جامعة بيروت العربية مادة العلوم التجارية والاقتصاد لعدة سنوات، حتى تحسنت أوضاعي المادية.
■ لنعد إلى فترة الدراسة الجامعية الأولى.. ماذا فعلت بأول راتب؟
أعطيته لأمي.. كل ما كنت أحصل عليه كنت أخصصه للمنزل لم آخذ شيئاً لنفسي أبداً، كما أذكر أن أول راتب قبضته كان 320 ليرة.
■ ماذا عن مرحلة مصرف لبنان؟
هذه المرحلة أتت بعد مرحلة التعليم والدكتوراه. عملت مع لجنة الرقابة على المصارف لدى مصرف لبنان لعدة سنوات، هو مستقل عن مصرف لبنان وتابع للدولة.
■ بعد هذه المرحلة تم تداول اسمك في السياسة؟
دعوني أتذكر قليلاً.. فأنا أصبحت كثير النسيان في هذه الأثناء.. كنت ضمن لجنة الرقابة على المصارف والرئيس إلياس سركيس كان حاكم مصرف لبنان وكنا نتقابل كثيراً بحكم العمل، ونوطد العلاقة والثقة والمحبة بيننا.. عندما أصبح رئيساً طلب مني أن أعمل معه كرئيس للحكومة. وهكذا بدأت مع السياسة. السياسة بدأت معي من العدم.
■ هل كنت تشارك في النشاطات السياسية آنذاك؟
لا أبداً.. لم تكن لي علاقة بها، لكنني كنت أقرأ كثيراً عن السياسة وأتابعها وأعجب بالسياسيين.
■ كيف كان شعورك عندما دخلت السياسة كرئيس للحكومة؟ هل تفاجأت عندما عُرض عليك المنصب؟
طبعاً تفاجأت.. لم أكن محضّراً نفسي لهكذا أمر، لكن كما قلت سابقاً علاقتي بالرئيس سركيس هي التي حملتني إلى عالم السياسة، فلولاه لما أصبحت رئيساً للوزراء… كان صديقاً حميماً لي.
■ هل طلب منك أن تصبح رئيساً للحكومة أم شيئاً آخر؟
لا.. طلب مني أن أكون رئيساً للحكومة، ومشيت معه، وعندما طلب مني ذلك لم أرفض وانخرطت في الموضوع.. هي تجربة أولية اعتبرتها تحدياً لنفسي إذ لم أكن على عهد وثيق بالسياسة.. جئت من خارج السياسة، وعملت بها كأحسن ما يمكنني أن أفعل، وبقيت على صداقة مع الرئيس سركيس، مع بعض التوتر والاختلاف أحياناً في مواقع ونقاط معينة وعديدة.. لكن هذا لم يفسد للود قضية.
■ بمن أُعجبت من السياسيين السابقين والحاليين؟ من كان يعني لك منهم كرجل وطني لبناني حقيقي بصفتك رئيس حكومة سابق؟ وكنت تقول عنه أن انتماءه لوطنه كبير؟
في الحقيقة هو الرئيس عبد الله اليافي.. كان الأبرز وكنت معجباً به.
■ وعربياً؟
الرئيس جمال عبد الناصر.
■ هل ما زالت السياسة تعني لك، أم أنها لم تعد كالسابق؟
لم يعد لدي طموح سياسي، لكنها تعنيني وتهمني وأتابعها يومياً وعن كثب وبالتفاصيل، مع أنني اعتزلتها.. كتاباتي كلها عن السياسة وتصريحاتي كلها سياسية. لم أتوقف عن التصريحات السياسية.
ماذا تعني لك السياسة في لبنان؟
تعلمت أن أميز بين السياسة والوطنية.. عملت في الحقل الوطني وليس السياسي. العمل السياسي معناه طموح سياسي يجعلك تصبو إلى منصب سياسي. طوال عمري لم أطلب السياسة لنفسي. خلال فترة من الزمن كنت أترشح للانتخابات وعينت كنائب لمرتين وفي الثالثة لم أنجح مع أنني كنت يومذاك رئيساً للوزراء وهذه أول مرة يحصل ألا ينجح رئيس الوزراء في الانتخابات النيابية. كان بودي أن أصبح نائباً حينذاك.
ماذا يعني لك لبنان؟
بلد عزيز.. وطن شيق جداً في الحقيقة، ولا أستبدله بوطن آخر.
والحياة؟
المرء يخط حياته لنفسه.. رسمت لنفسي مرحلياً خطاً معيناً، ولكنه تغير مع تبدل الظروف.. فكما قلت لم أختر السياسة، بل هي التي هبطت عليّ هبوطاً ومن بعدها أصبحت سياسياً مئة بالمئة، ولم أعد أفكر أو أتكلم إلا في السياسة، بدليل ما تقرأونه عني.
ماذا يعني لك الحب؟
الحب تضحية وتفان، فأنت تعطي للحبيب كل ما لديك، وكل ما تقوم به يكون لأجله.
ماذا عن الحب في حياتك؟
أول حب كان لزوجتي رحمها الله.. لقد تركتني في وقت مبكر.
كيف تم اللقاء بينكما؟
تعرفنا في “التابلاين”.. ورأيتها.. وهكذا تمت القصة بيننا.
ألم تحب بعدها؟
بلى، أحببت ابنتي.
كيف هي علاقتك مع ابنتك؟
هي علاقة موثوقة ولطيفة وحميمة. بالمناسبة هي تسكن في المبنى نفسه حيث أسكن. كل جهدي مركز عليها وتهمني سعادتها كثيراً.
كيف هي علاقتك مع حفيدك سليم؟ هل تنصحه بدخول عالم السياسة؟
سليم لا يحتاج النصح (مسيس كثير) وهو حالياً يتابع دراسته الجامعية (سنة أولى طب).
ما هي الكلمة التي تهمس بها في أذنه؟
أقول له إعمل ما تهوى.. المرء لا ينجح إلا في الحقل الذي يرغبه مع مراعاة الضوابط الأخلاقية والدينية.. وهذا ما يقوم به فعلاً.
هل من قواسم مشتركة بينكما؟
لقد أقبل على الإقتصاد متأثراً بي، لكنه سرعان ما مل منذ السنة الأولى، واختار الطب. الحمد لله هو مجتهد في هذا المجال.
ما هي المنطقة المفضلة التي ترتاح بها في لبنان أو في خارجه؟
أنا ابن بيروت الأصيل، عشت فيها لكنني أحلم بالريف حيث الراحة والإختلاء بالنفس.. وما زلت أحلم به وبالقرية.
ماذا تعني لك المطالعة؟
هي هوايتي.. فأنا أعاني من الملل في حياتي وأعترف به. منذ شبابي وقبل دخولي الجامعة، كنت أحلم بدراسة الأدب العربي الذي أحبه كثيراً، وأنا معجب بالعديد من الأدباء العرب مثل عباس محمود العقاد وطه حسين وكنت أمشي على خطيهما. وعند وصولي إلى الجامعة سألتني والدتي (رحمها الله) “ماذا ستفعل؟” قلت لها سأدرس الأدب العربي، فسألتني “وهل هو يطعم خبزاً؟” فقررت لها أنا أحبه، فقالت “أنا بانتظارك كي تتخرج وتعمل وتجني مالاً”.. فسألت اثنين من أصدقائي منذ مرحلة الدراسة الثانوية: سميح البابا (ما يزال صديقي حتى الآن ونلتقي أسبوعياً) واحمد الرفاعي (صاحب “اللونغ بيتش”): ماذا ستفعلان؟ فقالا بزنس، قلت لهما خذاني معكما وهكذا بدأت.. في الواقع لم أنفذ كما خططت.
ما هو نوع الفن الذي يستهويك؟
لم أكن أملك جهاز راديو، كنت أستمع إلى برنامج ما “يطلبه المستمعون” من جهاز الجيران عن طريق النافذة. فكنت معجباً ولا أزال بالراحل محمد عبد الوهاب. ومن المطربات هناك فيروز وهي صديقة مقربة أزورها كثيراً. بعد تخرجي أهدتني جدتي (رحمها الله) جهاز راديو صغيراً، كنت أعتبره أثمن ما في الدنيا.
السينما؟
لم أكن أرتادها، لكن عندما كنا نأخذ العيدية بمناسبة عيد الفطر والأضحى، كنا نذهب إلى السينما مرتين أو ثلاث وأصرف كل ما أحصل عليه من العيدين..
ما هو نوع الأفلام المفضل عندك؟
الأفلام الأجنبية وبصورة خاصة الكاوبوي والأكشن.
ما هي الأكلة المفضلة لديك؟
(ضاحكاً): الحمص والفول والعدس.. أنا ممتنع عن اللحوم منذ زمن.
ما هي نصيحتك للبنانيين؟
أقول لهم خدمة المجتمع هي خدمة النفس.. ولا توجد سعادة دون تحقيق هذا المبتغى.. فأنت تسعد حين تخدم مجتمعك. السعادة التي تستمدها من خدمة نفسك هي قصيرة الأجل والعطب، الأهم هو خدمة المجتمع.. حين تخدم مجتمعك تكون راضياً عن نفسك.










