في لبنان، لا يحتاج الشيء الجديد إلى وقت طويل كي يتحوّل من مبادرة تستحق النقاش إلى مادة للسخرية، ولا تحتاج الفكرة إلى أن تأخذ فرصتها كي تبدأ محاكمتها على مواقع التواصل. بالأمس، كان قطار البربارة السياحي في مرمى الانتقادات، واليوم، أصبح الكرسي الأزرق على كورنيش عين المريسة حديث المتجادلين. وكأن السؤال لم يعد ماذا تضيف هذه المبادرات؟ بل ما العيب الذي يمكن أن نجده فيها؟
قطار يسعى إلى تنشيط السياحة في منطقة، وكرسي أزرق يحمل رسالة صداقة وتواصل بين بيروت ومدينة نيس الفرنسية، ويرمز إلى التلاقي والانفتاح، مبادرتان مختلفتان، لكنهما التقتا في مشهد واحد: جدل واسع وانتقادات سبقت أحيانًا فهم الفكرة والغاية منها.
فهل أصبح اللبناني يميل إلى رؤية السلبيات في كل ما حوله، أم أن تراكم الأزمات والخيبات جعله يستقبل كل جديد بالتشكيك؟
لا شك أن النقد حق، بل ضرورة، لكن قيمته تكمن في قدرته على التصويب والتحسين، لا في رفض المبادرات قبل فهمها. فالقطار يمكن أن يشكّل فرصة لتنشيط السياحة، والكرسي الأزرق ليس مجرد قطعة فنية على الكورنيش، بل يحمل فكرة التواصل الثقافي والصداقة بين المدن. وقد نختلف على الشكل أو التنفيذ، لكن الحكم المنصف يبدأ بفهم الفكرة وتقييم أثرها.
ربما دفعت الظروف الصعبة اللبناني إلى فقدان الثقة بكثير من الوعود والمشاريع، فأصبح أكثر ميلًا إلى التشكيك وأقل استعدادًا للتفاؤل. لكن لا ينبغي أن تتحوّل هذه الخيبات إلى نظرة ترفض كل محاولة جديدة، أو تجعل السخرية بديلًا عن النقاش الجاد.
من قطار البربارة إلى كرسي عين المريسة، ليست القضية أن نمدح كل مبادرة أو نرفض كل انتقاد، بل أن نحافظ على قدرتنا على التمييز بين النقد البنّاء والتشكيك المسبق.
فلبنان يحتاج إلى المحاسبة بقدر حاجته إلى المبادرات التي تحرّك مناطقه وتنعش حضوره السياحي والثقافي. وبين النقد والإنصاف، يبقى السؤال: هل نمنح كل محاولة فرصة عادلة، أم أن خيباتنا باتت تحجب عنا حتى ما يستحق النظر إليه بإيجابية؟


