أكتوبر 8, 2026

“حين يصبح النسيان فنّاً… عن الذهب وتقييم التراب”

“حين يصبح النسيان فنّاً… عن الذهب وتقييم التراب”
همسه بورسلان-كاتبة ومتخصصة في عالم الألماس
همسه بورسلان-كاتبة تجمع بين الإبداع الأدبي وخبرة الألماس

أقسى ما في خيبة الأمل أنها لا تأتيك من غريب حذّرك الحذرُ منه، بل من يدٍ شدَدْتَ عليها لتمنحها الطمأنينة، فكانت أول يدٍ تخلّت عنك حين مال بك الطريق. الخيبة تجيء دائماً من المساحات التي ألغيت فيها خطوط الدفاع، ومن الوجوه التي أسبغت عليها نبل ظنونك، فإذا بها تخلع قناعها عند أول امتحان.

الغدر ليس مجرد خذلان عابر؛ إنه زلزال يزلزل ثقتك بالمشاعر لا بالأشخاص فحسب. يبدأ حين تكتشف أن كل الصدق الذي بذلته، وكل التغاضي عن الهفوات، كان يُقرأ في كواليس نفوسهم المريضة كضعفٍ أو سذاجة. تجد نفسك فجأة أمام شخصٍ يبيع سنوات الودّ بلمحة عين، ويستبدل نبل المواقف بجفاءٍ لا تشوبه رحمة.

فنحن نعيش في زمنٍ أضحى فيه زرّ النسيان فنّاً لبعض البشر؛ يضغطونه بدمٍ بارد، ويمسحون به كل الوفاء بلمحة عين حين تتضارب الذكريات مع مصالحهم الضيقة. يتنكرون لأجمل ما قدّمته وكأنك لم تكن يوماً سقفاً يحميهم من الهوان. يتعاملون مع الذهب الخالص بجهلِ من لا يجيد سوى تقييم التراب، فيفرطون بالنادر ليحتفظوا بالرخيص، ويردون الودّ بصفعة النكران.

لكن الألم الأكبر ليس في الخسارة، بل في الدهشة الصامتة التي تعقب السقوط؛ تلك اللحظة الفاصلة التي تسأل فيها نفسك: “كيف أخطأت التقدير إلى هذا الحد؟”. غير أن الحياة، رغم قسوة دروسها، تمنحنا أسمى أشكال الوعي. إنها تدربنا عبر الخيبات على إعادة رسم الحدود، لا لنتحول إلى كائنات قاسية، بل لنصحح مكانة الأشخاص في أعيننا.

قد يكسرنا الغدر برهة، لكنه يطهّر نظرتنا للوجود. إنه الدرس الشفاف الذي يعلّمنا أن النبل لا يُندم عليه، وأن السخاء في المشاعر حقٌّ للمستحقين فقط. كن دائماً كالمعدن الأصيل؛ لا تسلبك الخيبة بريقك، لكن تعلّم ألا تضع قيمتك إلا في الأيدي التي تتقن حفظ الثمين…

عن المؤلف


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شارك برأيك
استفتاء عام

📊 رأيك يهمنا

شارك بتصويتك والتأثير في الرأي العام

🎤 ما هي الوسيلة التي تفضلها لمعرفة اخر الاخبار وقت الأزمات؟

١
مجموعات whatsapp 44%
٢
التلفزيـون 27%
٣
المواقع الإخبـاريـة 29%

جاري تسجيل تصويتك...