سبتمبر 19, 2026

من الستارة إلى الستوري… كُشِفَ المستور !

من الستارة إلى الستوري… كُشِفَ المستور !
فؤاد كيالي-كاتب ومخرج إذاعي

كان لدينا في الماضي شيء اسمه “خصوصية”كلمة قديمة، ربما لم تعد متداولة كثيراً، مثل “الستر” و”الممنوع” و”هذا شأن خاص”،كانت هناك أبواب تُغلق، وستائر تُسدل، وغرف لا يعرف أحد ماذا يحدث خلفها، ليس لأن الناس كانوا يعيشون حياة سرية، بل لأنهم كانوا يعرفون ببساطة أن هناك أشياء لا تعني الآخرين.

حتى صالونات التجميل النسائية كانت تفهم هذه القاعدة، ستارة تحجب الرؤية عن الداخل، أو زجاج معتم، أو إعلان على الواجهة يمنع المارة من رؤية ما يجري، وأحياناً لافتة واضحة: «ممنوع دخول الرجال».

وكانت الرسالة مفهومة.. ما يحدث في الداخل يبقى في الداخل.

أما اليوم، فقد يبدو أن المشكلة لم تعد فيمن يدخل الصالون، بل فيمن لم يدخل إلى البث المباشر!

وسائل التواصل الاجتماعي لم تكتفِ بإسقاط الحواجز بين الناس، بل أسقطت الجدران بين العام والخاص.

غرفة النوم لم تعد غرفة نوم بل أصبحت «لوكيشن».

والمرآة لم تعد مرآة، بل أصبحت مصوّر فيديو.

والصبية التي كانت في الماضي تقف أمام المرآة وتضع الماكياج لنفسها، أصبحت اليوم تضع الماكياج أمام جمهور قد يكون بالآلاف.

وأخرى تسرّح شعرها أمام الهاتف، وثالثة تتصوّر وهي جالسة على سريرها، وكأن السرير نفسه أصبح جزءاً من الديكور.

وبعضهن وصل بهن الأمر إلى التصوير أثناء غسل الشعر!

وهنا لا تعود المسألة مرتبطة بالماكياج أو الشعر أو السرير، بل بالسؤال الأكبر:

متى قررنا أن حياتنا الخاصة أصبحت ملكاً للعلن؟

 

في الماضي، كان الإنسان يحرص على ألا يرى الآخرون ما يجري خلف باب منزله.

اليوم، قد يغلق الباب بنفسه… ثم يتأكد أن زاوية التصوير مناسبة.

كان الناس يقولون: «لا أحد يجب أن يعرف».

اليوم يقولون: «دعونا نخبر الجميع».

كان هناك خوف من انكشاف الخصوصية.

أما الآن، فهناك خوف آخر: أن تعيش لحظة جميلة ولا تصوّرها!

 

حتى الطعام لم يعد يؤكل قبل تصويره، والرحلة لا تبدأ قبل نشر موقعها، واللقاء لا يكتمل قبل صورة جماعية.

ولعل بعض الناس أصبحوا يعيشون اللحظة من أجل توثيقها أكثر مما يعيشونها من أجل أنفسهم.

 

المفارقة أننا في زمن التكنولوجيا التي أعطتنا وسائل لحماية خصوصيتنا، أصبحنا أكثر استعداداً للتنازل عنها.

نحن الذين نختار ماذا نصوّر، وماذا ننشر، ومتى نضغط زر «نشر».

ومع ذلك، أصبحنا نتصرف وكأن الهاتف هو الذي يطلب منا كشف حياتنا!

ربما المشكلة ليست في وسائل التواصل بقدر ما هي في مفهومنا الجديد للخصوصية.

فالخصوصية لم تختفِ فجأة.

نحن الذين أخذنا نبيع منها قطعة صغيرة كل يوم.

 

صورة هنا، فيديو هناك، تفاصيل شخصية، غرفة نوم، سرير، رحلة، خلاف، مصالحة، فطور، فرح، حزن… حتى اللحظات التي كانت تحتاج إلى أن تُعاش بصمت أصبحت تحتاج إلى جمهور.

 

كانت الستارة تحجب ما في الداخل… أما الستوري، فأصبح يأخذ الداخل إلى الخارج.

 

عن المؤلف


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شارك برأيك
استفتاء عام

📊 رأيك يهمنا

شارك بتصويتك والتأثير في الرأي العام

🎤 ما هي الوسيلة التي تفضلها لمعرفة اخر الاخبار وقت الأزمات؟

١
مجموعات whatsapp 44%
٢
التلفزيـون 27%
٣
المواقع الإخبـاريـة 29%

جاري تسجيل تصويتك...