شهدت الخشبة اللبنانية لقاءً هو الأول من نوعه في تاريخ المشهد الموسيقي الكلاسيكي: الأسطورة الروسي عازف البيانو بوريس بيريزوفسكي، يلتقي في حوارٍ ثنائي مع ابنته، العازفة ذات الحضور العالمي المرموق، والأكثر شهرة في جيلها، إفلين بيريزوفسكي.
بدعوةٍ من رئيسة المعهد الوطني العالي للموسيقى الدكتورة هبة القواس، أقيمت أمسية موسيقية استثنائية خارجة عن مألوف التقنيات العزفية، شكلت حدثاً بيروتياً عالمياً يتمحور حول مفهوم التناصّ الإبداعي وانتقال الإرث الفني عبر الأجيال. فتحولت الكنيسة الإنجيلية الأرمنية الأولى في بيروت إلى تجريد بصريّ ومكانيّ ممتد، في فضاءٍ هبطت فيه الموسيقى كبنية فلسفية تتجاوز الحضور المادي العابر.
افتتحت الحفل الدكتورة القواس بكلمة تحمل الكثير من الفخر بحضور هاتين القامتين الموسيقيتين إلى لبنان، وما يحمله هذا الحضور من دلالات بالغة المعاني، وقالت:
“نحن لا نحتفل الليلة بأمسية موسيقية عابرة، بل نقف في حضرة زمن يكتب نفسه من جديد. ثمة فرق شاسع بين أن نقرأ التاريخ، وبين أن نكون شهوداً على صناعته. والليلة، نحن لا نستقبل فحسب أسطورة البيانو العالمية بوريس بيريزوفسكي برفقة ابنته المتميزة إفلين، بل نشهد تجلياً نادراً لإرث موسيقي كوني يتوارث من جيل إلى جيل، في لحظة استثنائية من عمر الحراك الثقافي العالمي”.
وأضافت: “إن هذه اللحظة تختزل جوهر الرسالة التي يحملها المعهد الوطني العالي للموسيقى. فالكونسرفتوار ليس مجرد صرح أكاديمي لتخريج الطلاب، بل هو رحم إبداعي ومؤسسة وطنية كبرى هدفها الأسمى بناء سلالات فنية وموسيقية تستمر عبر الأجيال ولا تتوقف. هذه السلالات قد تولد وتنمو داخل بيت عائلي واحد، وقد تخرج وتزهر من تحت سقف واحد: سقف هذا الصرح الوطني العظيم: المعهد الوطني العالي للموسيقى.
وفي هذا الوقت بالذات، وفي هذه البقعة الجغرافية التي اعتادت وسائل الإعلام أن تصدّر منها أخبار الألم والحروب، نصرّ نحن على أن يصدّر لبنان للعالم أخبار الإبداع، وصور المبدعين والعظماء من أبنائه ومن ضيوفه الذين يزورونه في أصعب الأوقات ليرتفع صداهم من بيروت إلى الكون بأسره. هذه هي صورة لبنان الحقيقية التي نؤمن بها جميعاً وتجمعنا الليلة.
وتابعت القواس: “إن وجود بوريس وإيفلين في بيروت اليوم، في ظل واقع إعلامي خطير يبث التحذيرات ويزرع الهواجس والخوف في قلوب الموسيقيين العالميّين، هو بحد ذاته موقف ثقافي وإنساني نبيل وشجاع. إنه برهان قاطع على أن الفنان الحقيقي يرى في لبنان رسالة تستحق المخاطرة، من أجل بلد يضرب بجذوره في التاريخ لآلاف السنين. نحن الليلة نؤكد حقيقة واحدة: سنستمر في كتابة تاريخنا القادم، كلٌّ من موقعه: موسيقيين، أدباء، شعراء، ومفكرين. معاً، تكتمل دائرتنا الثقافية، ومعاً نواصل كتابة مجد لبنان وضمان استمراره.
أرحب بصديق لبنان الكبير العازف العالمي بوريس بيريزوفسكي، وبالصديقة الحبيبة العازفة المتميزة إفلين بيريزوفسكي، التي تساهم معنا بحب كبير ورؤية صادقة في رفع المستوى الأكاديمي للكونسرفتوار عبر دروسها المتخصصة و(الماستر كلاسز) المستمرة، جنباً إلى جنب مع والدتها التي تشكّل أحد الأعمدة الأساسية لتأسيس الأجيال الجديدة. عائلة بيريزوفسكي الكريمة، أهلاً بكم في بيروت، منارة الإبداع وموطن الرسالة”.
وبعد اعتلاء العازفَين الخشبة، وتحيتهما للجمهور اللبناني النوعي الذي حضر ليشهد على لحظات نادرة في تاريخ الموسيقى، كانت كلمة مقتضبة لبوريس بيريزوفسكي عبر فيها عن سعادته الكبيرة لوجوده في لبنان، وقال إنها “فرصة فريدة” بالنسبة له أن يعزف في بيروت بدعوة من القواس التي شكرها على الدعوة الكريمة. وأعلن بوريس أنها المرة الأولى التي يتشارك فيها العزف على المسرح مع ابنته، وذلك لأنه أراد أن تصنع بنفسها خطها الموسيقي. وأضاف أنه فخر كبير لهما أن يعزفا معاً في بيروت، وأن لبنان بالنسبة لابنته هو بيتها الثاني الذي تعود إليه دائماً.
وخصيصاً لهذه المناسبة الكبيرة، تأسّس المسرح بصريّاً في الكنيسة على تقابلٍ هندسي دقيق، بيانوَان ضخمان وُضعا وجهاً لوجه على الخشبة، في تكوينٍ يعكس الرغبة في صياغة حوارية هارمونية عميقة. وعبر حجب المؤثرات البصرية وتوجيه انعكاسات الإضاءة الدافئة حصراً على العازفَين ومفاتيح الآلتين، عُزلت القاعة تماماً في ظلامٍ فنّي معبّر، ليخلق مناخاً “أنطولوجياً” يركّز الوعي السمعي على الكتلة الصوتية المتولّدة. وفي إطار تلك الهندسة البصرية، تحولت المرايا الشاهقة التي شكلت خلفية المسرح إلى شريك سينوغرافي يفكك الحدث ويعيد صياغته. ففوق المرايا المصقولة، كانت انعكاسات أيدي العازفين تتضاعف وتتداخل في حركات بصرية متلاحقة، متحولةً بفعل المؤثرات الضوئية والإضاءة الخافتة إلى أشكال هيولية هلامية تتسرب وتتحرك كأطياف موسيقية موازية لعوالم رخمانينوف ورافيل الفلسفية. هذا الحوار البصري بين الأصل وظله، وبين الضوء والعتمة، لم يكتفِ بإبهار العين، بل لعب دوراً فيزيائياً وعضوياً في تعزيز انتقال الصوت، إذ بدت المرايا وكأنها تعيد توجيه الذبذبات والكتل الهارمونية، لتصبح الامتدادات البصرية والسمعية تياراً واحداً يتدفق نحو الجمهور، مانحةً الأمسية بعداً طقسياً يجعل من المسرح فضاءً كونياً بامتياز. هذا التناقض المدروس بين النور المركّز والعتمة المحيطة، منح الأمسية طابعاً رومانسيّاً جاداً وفلسفياً. فتحوّل الفعل الموسيقي من أداء لبرنامج موسيقي إلى تجربة تأمّلية واعية، تنصت إلى علاقة الذات بالآلة وعلاقة الإرث الجيني بالهويّة الموسيقية.
شكّل العزف المشترك للمرة الأولى بين بوريس وإفلين، نموذجاً نادراً لـ “الهارموني الغريزي” المدعم بالدراسة الأكاديمية الصارمة. فحين تلتقي أصابع الجيلين فوق المفاتيح، يتلاشى البعد الزمني التراتبي، ليحل محله اتساق بنيويّ دقيق. وتتحول الرابطة الإنسانية إلى تكاملٍ فنّي عميق، يفكّك النص الموسيقي ويعيد بناءه بوحدة تعبيرية خارقة.
بوريس بيريزوفسكي، الذي كرسته المحافل العالمية كأحد أكثر العازفين قوةً وعمقاً وحساسية، هو قامة كوكبية تحتل صدارة العازفين عالمياً في العصر الحالي. وهو أحد أساطير المدرسة الروسية المعاصرة وامتداداً حياً لعمقها التاريخي. إذ كرّسه الفوز بالميدالية الذهبية في مسابقة تشايكوفسكي الدولية الشهيرة عام 1990 كمرجعٍ فني ودولي لا يجارى في العزف الفولاذي ذي الحساسية التعبيرية الفائقة. وهو الحائز أيضاً على جائزة “بي بي سي” الموسيقية BBC Music Magazine Awards” كأفضل عازف منفرد” وهي من أرفع الجوائز البريطانية. بالإضافة إلى “الإشادات التاريخية بالأسطوانات” على تسجيله الشهير لأعمال “رافيل”، فنال أعلى التقييمات العالمية، وأدرج كـ “توصية أولى” في كبرى المجلات النقدية الفرنكوفونية والعالمية. فضلاً عن جوائز كبرى أخرى منها “جائزة النقّاد الألمان”، التي حصدها عن تسجيله الأسطوري لـ “سوناتات رخمانينوف”، وهو اعتراف أكاديمي صارم من المدرسة الألمانية بعمقه التفسيري للمدرسة الروسية.
أظهر بيريزوفسكي فوق الخشبة نضجاً فكرياً تجاوزياً. فهو يتجاوز النوتة كعلامة مجردة، ليمنحها بعداً حوارياً مستنداً إلى قراءة تفكيكيّة للمؤلفات الروسية والفرنسية. فتميز عزف بوريس بتوازن مذهل بين القوة الفولاذية والديناميكية التعبيرية الليّنة، مما أتاح للبنية الصوتية أن تتنفس بوضوح من دون تداخل عشوائي.
أما إفلين بيريزوفسكي، فكان حضورها على الخشبة البيروتية في ظل عبقرية الأب، إعلاناً صريحاً عن نضوج هوية فنية مستقلة ومكتملة الأدوات في المشهد الكلاسيكي المعاصر. فبرزت كذاتٍ فنية مستقلة تمتلك تقنية باهرة ومزاجاً تعبيرياً صارماً. تنبع أهمية إفلين من كونها عازفة منفردة (Soloist) استطاعت صياغة خطّها





