لم يعد تطبيق “تيك توك” مساحة مخصصة للمراهقين والشباب كما كان في بداياته، بل تحوّل إلى منصة تجمع مختلف الفئات العمرية، من الأطفال إلى كبار السن، حيث بات من المألوف مشاهدة رجال ونساء تجاوزوا الستين أو السبعين من العمر يشاركون في تحديات الرقص، ويؤدون المقاطع الكوميدية، ويقلدون المشاهير، ويحصد بعضهم ملايين المشاهدات والمتابعين.
هذا المشهد يثير تساؤلات عديدة: هل هو تعبير طبيعي عن مواكبة العصر وكسر الصورة النمطية المرتبطة بالتقدم في السن؟ أم أنه يعكس ذوبانًا للحدود التي كانت تميز كل جيل عن الآخر؟
يرى مؤيدو هذه الظاهرة أن العمر لا ينبغي أن يكون عائقًا أمام الترفيه أو استخدام التكنولوجيا، وأن من حق كبار السن الاستمتاع بوقتهم، ومشاركة لحظاتهم اليومية، والتفاعل مع العالم الرقمي مثل أي شخص آخر. كما أن الظهور على المنصة قد يخفف من الشعور بالوحدة، ويمنحهم فرصة للتواصل مع الأبناء والأحفاد، بل وربما يحقق لهم شهرة لم يتوقعوها.
لكن في المقابل، يعتقد آخرون أن المشكلة لا تكمن في وجود كبار السن على “تيك توك”، بل في نوعية المحتوى الذي يقدّمونه. فحين يتحول السعي وراء الإعجابات والمشاهدات إلى تقليد أعمى للتحديات والرقصات أو التصرفات المثيرة للجدل، يفقد المحتوى قيمته، ويصبح الهدف هو لفت الانتباه بأي وسيلة، حتى لو جاء ذلك على حساب الصورة الاجتماعية أو الوقار الذي ينسجم مع شخصية الإنسان وتاريخه.
كما يشير مختصون إلى أن خوارزميات المنصة تكافئ المحتوى الأكثر إثارة وانتشارًا، ما يدفع بعض المستخدمين، بغض النظر عن أعمارهم، إلى تقديم ما يضمن الوصول السريع إلى الجمهور، حتى وإن كان بعيدًا عن اهتماماتهم الحقيقية أو لا يعكس شخصيتهم.
وفي الواقع، لا ترتبط الظاهرة بكبار السن وحدهم، بل تعكس تغيرًا أوسع في مفهوم الشهرة. فاليوم، أصبح الهاتف الذكي قادرًا على تحويل أي شخص إلى صانع محتوى خلال دقائق، وأصبحت الشهرة الرقمية هدفًا يسعى إليه كثيرون، بغض النظر عن العمر أو المهنة أو المكانة الاجتماعية.
ومن الطبيعي أن يقدم كبار السن محتوى ينسجم مع خبراتهم وتجاربهم، كالنصائح الحياتية، والطبخ، والحرف اليدوية، والقصص التراثية، والخبرات المهنية، أو حتى مشاركة هواياتهم بطريقة عفوية ومحترمة. مثل هذا المحتوى يثري المنصة ويمنحها تنوعًا، ويؤكد أن الحضور الرقمي لا يعني بالضرورة التخلي عن الهوية أو الوقار.
في المقابل، فإن الانجراف وراء التقليد لمجرد مواكبة “الترند” قد يجعل المنصة مساحة تذوب فيها الفوارق بين الأجيال، ويصبح السعي إلى الانتشار أهم من الرسالة أو القيمة التي يقدمها المحتوى.
في النهاية، لا تكمن المشكلة في أن يرقص كبير في السن أو يضحك أو يمارس هواية يحبها أمام الكاميرا، بل في الدافع والأسلوب والغاية. فالتكنولوجيا أداة يمكن أن تكون وسيلة للتواصل والإبداع ونقل الخبرة، كما يمكن أن تتحول إلى سباق محموم خلف الشهرة والانتشار. وبين هذين الخيارين، يبقى الوعي هو الفيصل، ويبقى المحتوى الهادف أكثر قدرة على ترك أثر حقيقي يدوم، مهما تغيرت المنصات وتبدلت صيحاتها.

