شيّع المؤتمر الشعبي اللبناني وعائلة الفقيد وأهالي الهبارية وقرى العرقوب ووفود من بيروت وعدد من المناطق اللبنانية، رئيس المؤتمر الشعبي اللبناني الأخ المناضل المحامي كمال حديد، في مأتم مهيب.
انطلق موكب التشييع من مستشفى الجامعة الأميركية، تتقدمه سيارة هيئة الاسعاف الشعبي حاملة النعش، وسلك طريق البقاع الغربي حاصبيا، وصولاً الى بلدة الهبارية، حيث أقيم حفل تأبين للراحل الكبير في قاعة يوسف نور الدين الاجتماعية، ألقيت في خلاله كلمات، قدّم لها مختار الهبارية الأخ قاسم نجم، تحدثت عن مآثر الفقيد ومسيرته النضالية الحافلة بالعطاء.
الشيخ الدكتور مجدي عواد ألقى كلمة مفتي حاصبيا ومرجعيون القاضي الشيخ حسن دلة، حيث نقل تعازي صاحب السماحة ومواساته الصادقة الى كل اهله واخوانه وتلامذته ومحبيه، والى المؤسسة التي نشأ فيها وترعرع وساهم في نضالها من اجل حرية هذا الوطن وحرية المواطنين.. وقال: نقف امام محطة من محطات العمر لنودع واياكم اليوم رجلا من رجالات هذه المنطقة، ومعلماً ومربياً ومناضلاً ومحاميا للدفاع عن الحق وعن قضايا هذا الوطن والامة، انه الراحل الاستاذ كمال محمد حديد رحمه الله تعالى الذي عرفناه باخلاقه النبيلة وحسن المعشر والجار المحبوب.. كان صاحب البسمة، الرجل الهادئ، سبحانه وتعالى قدر له ان يكون اسمه كمال حديد، فالكمال لله تعالى وحده ولكنه سعى في حياته رحمه الله تعالى الى كمال الخلق والى كمال الانتماء والى كمال الاصالة والى كمال المبادئ، وكان في حياته حديداً صلباً في مواقفه لا يلين، ثابتاّ على مبادئه وعلى مواقفه وقضى عمره كلها من اجل دينه ومن اجل وطنه ومن اجل امته.
المؤرخ الشيخ غالب سليقا قال: إن معرفته بالفقيد يزيد عمرها عن نصف قرن، عرفته يوم كنت أدرس في هذه البلدة الكريمة عام 1962، عرفته شاباً مجاهداً وضع نصب اعينه ان يصل الى مرحلة من المراحل الكريمة في حياته، عرفته صادق اللفظ وأمين القول، وعرفته بجميع احاديثه أنه اقرب الى الواقع من الخيال.. حقا لقد خسرنا رجلاً في هذه المنطقة، ترفع له القبعة كما يقولون.
لقد اخلص في جميع ما كان يصبو اليه، لمبادئه واعتقاده وكل ما يؤمن به. اخلص لعائلته، لمنطقته، اخلص للجميع.. كان همه مد الجسور مع الجميع، لا يتقوقع خلف اي معتقد او مذهب، وهمه الاكبر مع أخوانه هو اخلاصهم لوطنهم ولمبادئهم ولعروبتهم لجميع ما يؤمنون به.. ولأهلنا في الهبارية والقرى المجاورة أقول: هنا باقون في أرضنا لان الارض مقدسة كالعرض، لن نتركها أبداً.
نائب رئيس الحزب الديقراطي اللبناني وليد بركات قال: لقد خسرنا اليوم الأخ الأستاذ كمال محمد حديد… خسرنا المحامي الذي دافع عن المظلوم.. خسرنا رئيس المؤتمر الشعبي اللبناني.. خسرنا ناصري العقيدة، وطني الهوى، عروبي النَفَس.. خسرنا المفكر الوطني العروبي.
يا أستاذي: كنت تقلّي: “الوطن ما بينبنى بالشعارات، بينبنى بالتواضع وخدمة الناس”.. وكنت أنت أول الخدّام: لبيتك، لإخوانك، لبلدتك الهبارية، لأهل الجنوب، للبنان، للقضية القومية العربية، لقضية العرقوب ومزارع شبعا اللي حملتها لكل المحافل.. حتى وأنت على سرير المستشفى، كنت تسألني: “شو صار بالجنوب؟ وكنت تقول بعيون مليانة يقين: “رح نرجع، رح نرجع أنا وإياك عالهبارية”.
أوجعك دمار الحرب، بس ما أوجعك فقدان الأمل.. ضليت متشبث بالحياة كرمال وعد قطعته للتراب اللي بتحب.. كمال محمد حديد، قائد ما كان صوته عالي، كان فكره عالي.. قائد ما كان يحب الكراسي، كان يحب الناس.. قائد لن يتكرر بنبله ووفائه وتواضعه.
رحت يا أستاذ.. بس تركت فينا وصية: “كونوا أوفياء للقضية، أوفياء للتراب.. كونوا اوفياء لبعضكم البعض، كونوا اوفياء لاهلكم، اوفياء لبلدكم، لوطنكم، لعروبتكم لتاريخكم الناصع بالبياض”.. نم قرير العين يا أخي الكبير، وعد رح نكمل المشوار ورح نحكي عنك للأجيال الجايي، ونقول: هيدا كان “الأخ الأستاذ”.
الأخ المربي يحيى علي قال: الفاجع هو الموت، والموت حق لا اعتراض منا عليه.. اما الشخصية المفجوع بها، فللاسف لساننا يعجز عن التعبير لاعطائه الحق الكامل لابو جلال، كمال حديد.. ابو جلال تكنى بهذا لانه يؤمن بجلالة الله سبحانه وتعالى، فسُمي كمال.. وعند نشأته اخذ يسمو نحو الكمال، وقد رافقته اكثر من 45 عاما حيث كان لا يهاب الموت، وحينما كان يأخذ الموقف كان يدافع عنه بكل ما اوتي من قوة، وهكذا نحن تلاميذه وهكذا نفذنا قراراته وقرارات المؤسس الأخ كمال شاتيلا رحمهما الله، بالانتفاضة الشعبية ضد العدو الصهيوني..
كمال حديد ليس شخصية عادية، تزوج قضايا الوطن والامة، وانجب من هذا التبني لهذه القضايا رفاقاً واخوة وتلاميذاً ان شاء الله سيكونون مثل تلاميذ صلاح الدين الايوبي ومثل تلاميذ جمال عبد الناصر وكمال شاتيلا… واذا زرع في هذا الوطن زرعاً سيؤتى اكله ان شاء الله يوما بعد يوم وعاما بعد عام..
كمال حديد كان مناضلا صلبا، لكنه كان صاحب قلب عطوف رؤوف لطيف، كان يتحلى بالاخلاق الكريمة وبالتواضع.. كمال حديد كان يدافع عن قضايا الناس الشخصية وليس فقط عن القضايا الوطنية، وكان من الشخصيات البارزة في هذه المنطقة والوطن.. لن ننساه، وابناؤنا واحفادنا لن ينسوه ابدا ان شاء الله .. وهذا الطريق الذي سار عليه طيلة 56 عاما سيبقى لانه هو الطريق الصح هو العروبة المؤمنة الحضارية التي اهدافها الوحدة والحرية والعدالة الاجتماعية.
الأخ الدكتور عماد جبري ألقى كلمة المجلس التنفيذي للمؤتمر الشعبي، فقال: أقف اليوم، لا لأرثي أخاً رحل فحسب، بل لأودّع جزءاً من ذاكرتنا، وجزءاً من عمرنا، وجزءاً من هذا البيت الكبير الذي جمعنا على المحبة والنضال والوفاء.. أقف مثقلاً بالحزن، كما أنتم جميعاً، لأن الكلمات في مثل هذه اللحظات تبدو صغيرة وعاجزة. كيف يمكن للكلمات أن تختصر حياة أخٍ أعطى من قلبه وعقله وعمره ما لا يُحصى؟ وكيف يمكن لصوتٍ يرتجف من الألم أن يعبّر عن حجم الفقد الذي يسكن قلوبنا اليوم؟
لم يكن الراحل بالنسبة إلينا رئيساً للمؤتمر الشعبي اللبناني وحسب. كان أخاً كبيراً لنا جميعاً. أخاً يجمع ولا يفرّق، يحتضن ولا يقصي، يسمع الجميع ويحرص على الجميع. كان إذا التقينا به نشعر أننا أمام أخٍ يخاف علينا أكثر مما يخاف على نفسه، ويحمل همومنا كما لو كانت همومه الشخصية.
لقد عرفناه أخاً وفياً قبل أن يكون قائداً. وعرفناه إنساناً كبيراً قبل أن يكون صاحب موقع. كان يرى في كل واحد منا أخاً أو أختاً، ولذلك لم تكن علاقتنا به علاقة تنظيمية أو سياسية فقط، بل كانت علاقة محبة صادقة صنعتها الأيام والمواقف والشدائد.. هناك رجال يمرّون في الحياة مروراً عابراً، وهناك رجال يتحولون إلى جزء من وجدان الناس، وفقيدنا كان واحداً من هؤلاء. لم يبنِ مكانته بالكلام، بل بالمحبة. لم يفرض احترامه بالموقع، بل بالأخلاق. لم يكسب قلوب الناس بالشعارات، بل بالصدق والوفاء ونظافة الكف وكرامة الموقف.
واليومَ، ونحن نودّعُكَ، لا نودّعُ شخصًا فحسب، بل نودّعُ وجهًا ألفناه، وصوتًا مقاومًا أحببناه، وأخًا ورفيقًا حملَ معنا الأحلامَ والهمومَ والذكرياتِ.. ونعاهدك أمام الله وأمام الإخوة والأخوات وأمام هذه الجموع المحبة، أن يبقى ما جمعنا بك حياً فينا، وأن تبقى ذكراك في الوجدان لا تمحى أبداً.
وبعد حفل التأبين، أقيمت الصلاة على روح الفقيد، ثم ووري جسده الثرى في جبانة البلدة.







