«خَبِّئ قرشك الأبيض أم اصرف ما في الجيب؟… قراءة في شخصيتين تصنعهما نظرة الإنسان إلى المال والحياة»
لا تكشف طريقة الإنسان في إنفاق المال عن وضعه المادي فحسب، بل تكشف جانبًا مهمًا من شخصيته وأسلوب تفكيره ونظرته إلى المستقبل. فمنذ القدم تناقل الناس مثلين متناقضين: «خَبِّئ قرشك الأبيض ليومك الأسود» و**«اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب»**. وبين هذين المثلين تتشكل شخصيتان مختلفتان في التعامل مع الحياة.
الشخص الذي يؤمن بالمثل الأول يرى الحياة مليئة بالمفاجآت، ويعتقد أن الاستعداد للمجهول نوع من الحكمة لا من التشاؤم. لذلك نجده يقتطع جزءًا من دخله للادخار مهما كان بسيطًا، ويحسب خطواته قبل اتخاذ القرارات المالية. عندما يحصل على مكافأة أو زيادة في راتبه، يفكر أولًا في المستقبل قبل التفكير في الكماليات.
فإذا تعطلت سيارته فجأة، أو احتاج أحد أفراد أسرته إلى علاج طارئ، أو فقد عمله لفترة مؤقتة، يجد نفسه أكثر قدرة على مواجهة الأزمة. ليس لأنه أغنى من غيره بالضرورة، بل لأنه خطط مسبقًا لمثل هذه الظروف.
ومن الأمثلة التي نراها كثيرًا، موظف يتقاضى راتبًا متوسطًا لكنه يدّخر جزءًا منه شهريًا. قد يراه البعض شديد الحرص أو حتى بخيلًا أحيانًا، لكن عندما تمر أزمة اقتصادية أو تتأخر الرواتب، يكون أقل الناس قلقًا وأكثرهم قدرة على الصمود.
في المقابل، هناك من يعيش وفق مبدأ «اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب». هذا الشخص يركز على الحاضر أكثر من المستقبل، ويؤمن أن الرزق بيد الله وأن الإفراط في القلق لا يغيّر شيئًا. يحب الاستمتاع بما يملك، ويشعر أن المال وُجد ليُستخدم لا ليبقى حبيس الحسابات.
فعندما يحصل على مبلغ إضافي، قد يسافر أو يشتري ما يرغب به أو يدعو أصدقاءه إلى وليمة. وهو غالبًا شخص كريم، محب للحياة، وسريع الاستجابة لرغباته ورغبات من يحبهم. لكن المشكلة تظهر عندما تأتي الظروف الصعبة؛ فقد يجد نفسه مضطرًا إلى الاستدانة أو طلب المساعدة لأنه لم يترك لنفسه هامش أمان.
ومن الطريف أن أصحاب النمط الأول يرون أصحاب النمط الثاني متهورين، بينما يرى أصحاب النمط الثاني أن المدخرين يضيعون أعمارهم في انتظار مستقبل قد لا يأتي أبدًا.
فالأول يقول:
“لماذا أنفق كل ما أملك اليوم وأنا لا أعرف ما الذي قد يحدث غدًا؟”
أما الثاني فيقول:
“ولماذا أحرم نفسي اليوم من أجل غدٍ لا أعلم إن كنت سأعيشه؟”
والحقيقة أن كلا الطرفين يملك جزءًا من الصواب. فالادخار ضروري لأنه يمنح الإنسان شعورًا بالأمان والاستقرار، لكن تحويل الحياة كلها إلى مشروع ادخار دائم قد يحرم الإنسان من متع كثيرة وفرص جميلة. وفي المقابل، فإن الاستمتاع بالحاضر أمر مهم، لكن الإنفاق بلا حدود قد يحوّل أبسط أزمة إلى مشكلة كبيرة.
ولعل المثال الأفضل هو شخص يدخر جزءًا من دخله للمستقبل، ويخصص جزءًا آخر للاستمتاع بحياته وأسرته. فهو لا يعيش أسير الخوف من الغد، ولا أسير اندفاع اللحظة. يدرك أن المال وسيلة لتحقيق التوازن، لا أداة للقلق الدائم ولا بابًا للإسراف.
في النهاية، لا يمكن الحكم على الناس من خلال طريقة إنفاقهم فقط، فلكل إنسان ظروفه وتجربته الخاصة. فربما كان المدخر قد عانى يومًا من ضائقة جعلته يخشى الحاجة، وربما كان المنفق قد تعلم أن العمر أقصر من أن يُقضى في جمع المال فقط. لكن الحكمة تبقى في القدرة على الموازنة بين حق الحاضر ومتطلبات المستقبل، لأن الحياة لا تُعاش كلها ليوم أسود، ولا تُبنى كلها على أمل ما في الغيب

