لم تعد أزمة السير في بيروت تقتصر على الازدحام الخانق أو التأخير اليومي، بل تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى حالة من الفوضى الخطيرة التي تهدّد سلامة المواطنين بشكل مباشر. فالمشهد اليومي في شوارع العاصمة يكشف حجم التراجع في احترام قوانين السير، من تجاوز الإشارات الحمراء، إلى السير بعكس الاتجاه، وصولًا إلى الدراجات النارية التي باتت تجتاح الأرصفة المخصّصة للمشاة، وكأنّ القانون لم يعد موجودًا أصلًا.
المواطن الذي يحاول عبور الطريق عبر خطوط المشاة البيضاء لم يعد يشعر بالأمان حتى في الأماكن المخصّصة لعبوره، إذ غالبًا ما يجد السيارات والدراجات تندفع بسرعة من دون أي احترام لإشارة المرور أو لحق الناس بالسير بأمان. والأسوأ أنّ بعض الأرصفة التي يُفترض أن تكون مساحة آمنة للمشاة، تحوّلت إلى “طرقات بديلة” للدراجات النارية هربًا من الازدحام، ما يعرّض كبار السن والأطفال والناس عمومًا للخطر يوميًا.
هذا الواقع يطرح سؤالًا أساسيًا: على من تقع المسؤولية؟
البعض يحمّل الدولة المسؤولية الكاملة، انطلاقًا من غياب الرقابة وضعف تطبيق القانون. فالكثير من المخالفات تُرتكب علنًا أمام الجميع من دون محاسبة جدية، ما شجّع عددًا كبيرًا من السائقين على الاستهتار بالقوانين. وعندما يغيب الردع، يصبح تجاوز الإشارة الحمراء أو القيادة فوق الرصيف أمرًا “عاديًا” بالنسبة للبعض.
كما أنّ غياب البنية التحتية الحديثة يزيد المشكلة تعقيدًا. فبعض الإشارات لا تعمل، والطرقات في أماكن كثيرة تعاني من الحفر والفوضى، إضافة إلى ضعف تنظيم السير وغياب التخطيط الحقيقي لحركة المرور، خصوصًا في المناطق المكتظة.
لكن في المقابل، لا يمكن إعفاء المواطن من المسؤولية أيضًا. فجزء كبير من الأزمة يرتبط بثقافة عدم احترام القانون، حيث يتصرّف بعض السائقين وكأنّ الطريق ملك خاص لهم، من دون أي مراعاة لسلامة الآخرين أو حقوقهم. وهناك من يقود الدراجة النارية بسرعة بين السيارات أو فوق الأرصفة غير مكترث بالخطر الذي قد يسببه.
المشكلة أيضًا أنّ بعض الناس باتوا يعتبرون الالتزام بالقانون “ضعفًا” أو مضيعة للوقت، فيما يُنظر إلى المخالفات وكأنها نوع من الذكاء أو القدرة على تجاوز الزحمة. وهذا ما ساهم تدريجيًا في تحويل الفوضى إلى مشهد يومي معتاد.
ولا يمكن تجاهل دور التوعية الغائب إلى حد كبير. فاحترام إشارات المرور وحقوق المشاة يبدأ من التربية والثقافة العامة، وليس فقط من الخوف من المخالفة. في كثير من الدول، يشعر السائق بالمسؤولية الأخلاقية قبل القانونية، أما في لبنان فغالبًا ما يتم التعامل مع قوانين السير على أنها أمر اختياري يمكن تجاوزه متى أراد الشخص.
أما الدراجات النارية، فقد أصبحت من أكثر عناصر الفوضى حضورًا في الشارع اللبناني، خصوصًا مع ازدياد استخدامها في السنوات الأخيرة بسبب الأزمة الاقتصادية وارتفاع كلفة التنقل. لكن غياب التنظيم الحقيقي وعدم الالتزام بالقوانين جعلا جزءًا منها مصدر خوف يومي للمشاة والسائقين معًا.
الحل لا يكون عبر تحميل طرف واحد كامل المسؤولية، بل من خلال شراكة حقيقية بين الدولة والمواطن. فالدولة مطالبة بتطبيق القانون بصرامة على الجميع من دون استثناء، وتأمين رقابة فعلية وتنظيم أفضل للطرقات، فيما يبقى على المواطن الالتزام بالقواعد الأساسية واحترام حياة الآخرين.
في النهاية، الطريق ليس حلبة سباق، والرصيف ليس للدراجات النارية، وخطوط المشاة ليست مجرد رسم على الأرض. الأمان في الشارع حق للجميع، وأي مجتمع يفقد احترامه لقوانين السير يفقد تدريجيًا شعوره بالنظام والأمان معًا.



