في زمنٍ لم تكن فيه الهواتف الذكية قد دخلت البيوت، ولم تكن الشاشات تسرق ساعات النهار، كانت الحارة ملعب الأطفال الواسع، وكانت الأزقة والساحات الصغيرة مساحة للضحك والمغامرة وتكوين الصداقات. في ستينات وسبعينات القرن الماضي، ومنها سنوات ما بعد 1965، لم يكن الطفل يحتاج إلى أجهزة باهظة أو ألعاب إلكترونية معقّدة، فالقليل من الحجارة أو حبل بسيط أو كرة مصنوعة من القماش كان كافياً لصناعة عالم كامل من الفرح.
مع انتهاء الدوام المدرسي أو بعد الغداء، كانت أصوات الأولاد والبنات تملأ الحارات البيروتية واللبنانية. تتوزع المجموعات بين لعبة وأخرى، ولكل لعبة قوانينها وأبطالها وذكرياتها التي لا تزال تسكن ذاكرة كثيرين حتى اليوم.
كانت القِلّة أو البلّي من أشهر الألعاب بين الصغار، حيث يتنافس اللاعبون بإصابة الكرات الزجاجية داخل حفرة صغيرة أو ضرب كرة الخصم بدقة ومهارة. لم تكن مجرد لعبة، بل امتحاناً للصبر والتركيز والذكاء.
أما سبع حجارات، فكانت عنواناً للحماسة والعمل الجماعي. سبع قطع حجرية تُرص فوق بعضها، وفريق يحاول إسقاطها بالكرة، فيما يسعى الفريق الآخر لمنع إعادة ترتيبها. لعبة تجمع بين السرعة والتخطيط وروح الفريق، وغالباً ما كانت تنتهي بضحكات عالية ومشاكسات بريئة.
وفي زاوية أخرى من الحارة، كانت البنات والأولاد يلتفون حول نطّة الحبل، على وقع الأغاني الشعبية والأهازيج البسيطة. لم يكن الحبل مجرد لعبة، بل مناسبة للمرح والتحدي وإظهار الخفة واللياقة. كما حضرت ألعاب مثل الغمّيضة والحجلة والبيضة نقّيتها، ولكل منها طابع خاص وقوانين تختلف أحياناً من حي إلى آخر.
ولم تكن فرحة الطفولة تكتمل من دون أيام العيد، حين تتحول الساحات والزوايا القريبة من البيوت إلى أماكن انتظار مليئة بالحماس. يومها، لم تكن المراجيح من الحديد أو مزودة بمحركات وأضواء إلكترونية كما هو الحال اليوم، بل كانت تُصنع ببساطة ومحبة من حبل متين وخشبة تُربط بين الأشجار أو الأعمدة. كان الأطفال يتجمعون حولها، يقفون بالدور بصبر وفرح، ينتظر كل واحد لحظته ليحلّق في الهواء ولو لدقائق قليلة. لم تكن المراجيح مجرد وسيلة للهو، بل طقساً من طقوس العيد، تصنع البهجة وتجمع أبناء الحارة حول فرحة واحدة.
وكانت براعة الأطفال تظهر أيضاً في قدرتهم على تحويل أبسط الأدوات إلى وسائل للمتعة؛ من كرة القماش إلى الطيارات الورقية التي ترتفع في السماء وكأنها أحلام صغيرة تحلّق فوق البيوت.
اليوم، تبدّل المشهد كثيراً. حلّت الأجهزة الإلكترونية ومدن الألعاب الحديثة محل ساحات اللعب البسيطة، وأصبحت الألعاب تعتمد على التكنولوجيا والحديد والمحركات. ورغم ما تقدّمه هذه الوسائل من تطور وترفيه، إلا أن كثيرين يرون أن شيئاً من دفء العلاقات وروح المشاركة التي صنعتها ألعاب الحارة قد تراجع.
فالفرق لا يكمن فقط في شكل اللعبة، بل في طبيعة الحياة نفسها. ألعاب الأمس كانت تعني لقاءً مباشراً وصداقة تُبنى وجهاً لوجه، وحركة دائمة تحت الشمس، بينما ترتبط ألعاب اليوم غالباً بالشاشة والعالم الافتراضي.
ورغم تغيّر الزمن، تبقى ألعاب الحارة أكثر من مجرد ذكريات. إنها صفحة من تاريخ اجتماعي جميل، تروي كيف كانت الطفولة أبسط وأقرب إلى الناس، حين كان الفرح يُصنع من سبع حجارات وحبل وخشبة وقليل من الخيال.
“ألعاب زمان لم تكن مجرد تسلية… بل كانت مدرسة صغيرة للحياة، تعلم فيها الأطفال الصداقة والصبر وروح المشاركة.”


