في الثامن والعشرين من أيار، تحلّ الذكرى الـ67 لانطلاقة تلفزيون لبنان، الشاشة التي شكّلت لعقود جزءًا أساسيًا من ذاكرة اللبنانيين والعرب، ورافقت أهم المحطات الوطنية والثقافية والفنية في تاريخ لبنان.
وفي زمن الانقسامات الحادة والفوضى الإعلامية التي يعيشها لبنان، يبقى السؤال المطروح بإلحاح: لماذا لا تعمد الدولة اللبنانية إلى دعم تلفزيونها الرسمي ليعود منصة وطنية جامعة تعبّر عن صورة الوطن الحقيقية بدل ترك الساحة الإعلامية رهينة التجاذبات السياسية والبرامج التي تبث التوتر والانقسام؟
فالتلفزيون الرسمي اللبناني لم يكن يومًا مجرد شاشة عادية، بل شكّل على مدى عقود جزءًا من ذاكرة اللبنانيين والعرب. عبره مرّت أهم البرامج الثقافية والفنية والترفيهية، ومن استديوهاته انطلقت أسماء صنعت تاريخ الإعلام اللبناني والعربي.
هذه الشاشة قدّمت في زمنها الذهبي أعمالًا درامية وبرامج منوعة وثقافية وتراثية ما زالت حاضرة في ذاكرة الناس حتى اليوم، وكانت مساحة تجمع العائلة اللبنانية حول محتوى محترم وهادف بعيدًا عن الابتذال والإثارة الرخيصة.
في الماضي، استطاع التلفزيون الرسمي أن يكون نافذة لبنان الحضارية إلى العالم العربي، فاستضاف كبار الفنانين والمثقفين والإعلاميين، وواكب المناسبات الوطنية الكبرى، كما لعب دورًا مهمًا في توثيق الذاكرة اللبنانية والأحداث التاريخية والثقافية والفنية التي مرّت على البلد.
وكان أيضًا مدرسة إعلامية خرّجت أجيالًا من المذيعين والصحافيين والفنيين الذين انتقلوا لاحقًا إلى أهم المحطات العربية.
اليوم، ورغم كل الأزمات، لا يزال هذا التلفزيون يمتلك الإمكانيات البشرية والخبرات القادرة على إعادة إحيائه، لكن ما ينقصه فعلًا هو القرار السياسي والإرادة الجدية لإعادته إلى مكانته الطبيعية، خصوصًا مع وجود إدارة جديدة يُفترض أن تحمل رؤية مختلفة تقوم على تطوير الشاشة لا إبقائها في دائرة التراجع والإهمال.
المطلوب اليوم ليس فقط إعادة تشغيل محطة رسمية، بل وضع خطة إعلامية وطنية متكاملة تعيد الثقة بالمؤسسة وتمنحها دورًا فعليًا في الحياة العامة.
وهذه الخطة يمكن أن تبدأ عبر:
- إنتاج برامج اجتماعية وثقافية وفنية تحترم عقل المشاهد وتعيد جمع العائلة أمام الشاشة.
- إطلاق برامج حوارية هادئة تستضيف شخصيات وطنية وأكاديمية قادرة على تقريب وجهات النظر بدل تأجيج الخلافات.
- دعم الدراما اللبنانية وإعادة إنتاج مسلسلات وأعمال تحاكي الواقع اللبناني بروح راقية بعيدًا عن الإسفاف الإعلامي.
- إعادة إحياء البرامج التراثية والفنية التي تعكس هوية لبنان الثقافية والحضارية.
- فتح المجال أمام المواهب الشابة في التقديم والإخراج والإعداد بدل حصر الشاشة بأسماء تقليدية مستهلكة.
- إنشاء أرشيف رقمي حديث يحفظ تاريخ التلفزيون اللبناني وإتاحته للأجيال الجديدة.
كما أن من الضروري أن ينفتح التلفزيون الرسمي على التعاون مع المحطات العربية والمنصات الإعلامية الكبرى من خلال اتفاقيات إنتاج مشترك وتبادل برامج وأعمال درامية ووثائقية، ما يساهم في إعادة حضور لبنان الإعلامي عربيًا.
فلبنان كان يومًا منارة الإعلام والفن في المنطقة، ولا يزال قادرًا على استعادة هذا الدور إذا توفرت الرؤية الصحيحة والدعم الحقيقي.
ومن المهم أيضًا أن تستثمر الدولة في الإنتاج الدرامي والوثائقي والسياحي، لأن التلفزيون الرسمي لا يجب أن يكون فقط منصة أخبار، بل واجهة تعكس صورة لبنان الثقافية والفنية والسياحية أمام العالم العربي والعالم.
في المقابل، بات المشاهد اللبناني يشعر بالملل والنفور من بعض البرامج السياسية التي تعتمد على استضافة الوجوه نفسها والخطابات نفسها التي تزيد الشرخ بين اللبنانيين، فيما الناس اليوم بأمسّ الحاجة إلى خطاب يوحّدهم ويمنحهم مساحة أمل وسط هذا الواقع الصعب.
إن إعادة الاعتبار للتلفزيون الرسمي ليست مسألة إعلامية فقط، بل خطوة وطنية وثقافية ضرورية. فالدول القوية تحافظ على إعلامها الرسمي وتطوره لأنه يشكل جزءًا من هويتها وصورتها أمام شعبها والعالم.
وفي الذكرى الـ67 لانطلاقة تلفزيون لبنان، يبقى الأمل بأن تعود هذه الشاشة إلى دورها الحقيقي: شاشة وطنية جامعة، تحترم الناس، تواكب العصر، وتحمل رسالة إعلامية راقية تليق بتاريخ لبنان وإبداع أبنائه.



