لطالما شكّلت المائدة اللبنانية جزءاً أساسياً من هوية المجتمع اللبناني وثقافته، فهي ليست مجرد أطباق تُقدَّم على السفرة، بل أسلوب حياة متكامل يجمع بين الطعم، والفائدة الصحية، والضيافة، والعادات المتوارثة عبر الأجيال. فمن الصعب أن نجد مطبخاً في العالم يمتلك هذا التنوع الغني الذي يجمع بين الخضار الطازجة، والحبوب، والزيوت الطبيعية، والمشاوي، والمقبلات، والحساء، والحلويات التقليدية، في توليفة جعلت المطبخ اللبناني واحداً من أشهر المطابخ عالمياً.
ورغم هذا الغنى، بات من الملاحظ في السنوات الأخيرة أن عدداً من اللبنانيين بدأوا يبتعدون تدريجياً عن أطباقهم التقليدية، متجهين نحو مأكولات غريبة عن بيئتنا وثقافتنا الغذائية، مثل السوشي وبعض الوجبات الغربية السريعة أو الأطعمة التي انتشرت بفعل الموضة والإعلانات ووسائل التواصل الاجتماعي.
ففي الوقت الذي تحتوي فيه المائدة اللبنانية على أطباق صحية متكاملة مثل التبولة، والفتوش، والهندبة، واللوبية بزيتها، والحمص، والمتبل، والبابا غنوج، والمشاوي المعتدلة، والشوربات المتنوعة كالشوربة العدس أو الخضار، نرى البعض يفضّل وجبات مستوردة لا تنتمي إلى ثقافتنا الغذائية، وغالباً ما تكون مرتفعة الثمن وأقل فائدة من الأطباق اللبنانية الأصيلة.
التبولة مثلاً ليست مجرد سلطة، بل وجبة مليئة بالفيتامينات والخضار الطازجة وزيت الزيتون الطبيعي، والفتوش يُعتبر من أكثر الأطباق توازناً من الناحية الغذائية. أما الحمص والمتبل فهما مصدر غني بالبروتين والعناصر المفيدة، فيما تشتهر الشوربات اللبنانية بقدرتها على منح الجسم الطاقة والفائدة في آنٍ معاً. حتى المازات اللبنانية، التي يظن البعض أنها مجرد إضافات جانبية، تحمل قيمة غذائية عالية مقارنة بكثير من الوجبات السريعة الحديثة.
لكن ما الذي يدفع البعض للتخلي عن هذه الأطباق؟
السبب لا يرتبط دائماً بالطعم، بل أحياناً بالرغبة في تقليد أنماط حياة جديدة، أو اعتبار بعض المأكولات الأجنبية رمزاً للحداثة والرقي الاجتماعي. وقد لعبت مواقع التواصل الاجتماعي دوراً كبيراً في هذا التغيير، حيث تحوّلت بعض الأطعمة إلى “موضة” يتسابق الناس لتجربتها وتصويرها، حتى لو لم تكن أقرب إلى ذوقهم الحقيقي أو عاداتهم الغذائية.
كما أن الجيل الجديد بات أكثر انفتاحاً على المطابخ العالمية، وهذا أمر طبيعي وإيجابي من حيث التعرّف إلى ثقافات مختلفة، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحوّل الانفتاح إلى تخلٍّ تدريجي عن المطبخ اللبناني، وكأن الأكل المحلي أصبح أقل قيمة من الطعام المستورد.
المفارقة أن العالم اليوم يتجه أكثر فأكثر نحو الأنظمة الغذائية الطبيعية والمتوازنة، وهي أمور موجودة أساساً في المطبخ اللبناني منذ عشرات السنين. فالكثير من الأجانب يقصدون المطاعم اللبنانية بحثاً عن الأكل الصحي والطازج، فيما بعض اللبنانيين يبتعدون عنه بحثاً عن أطعمة قد تكون أقل جودة وفائدة.
لا أحد يرفض تجربة مطابخ جديدة، فالتنوع جميل والانفتاح مطلوب، لكن يبقى التمسك بالمائدة اللبنانية ضرورة ثقافية وصحية في الوقت نفسه. فهذه الأطباق ليست فقط جزءاً من تراثنا، بل أيضاً من أكثر الأنظمة الغذائية توازناً وغنى بالمكونات الطبيعية.
ربما حان الوقت لإعادة النظر بعلاقتنا مع طعامنا المحلي، وأن ندرك أن ما نملكه على موائدنا اليومية يفوق بكثير الكثير من “الصيحات الغذائية” المنتشرة اليوم. فبين طبق تبولة محضّر بخضار طازجة وزيت زيتون طبيعي، ووجبة مستوردة تُؤكل فقط لأنها رائجة، تبقى الهوية والطعم والفائدة مجتمعة في المطبخ اللبناني الذي لا يزال، رغم كل شيء، واحداً من أجمل مطابخ العالم.

