أحيانًا، وأنت تتصفح تيك توك، تشعر أنك دخلت إلى عالم لم يعد فيه شيء اسمه «تفصيل عادي». كل شيء أصبح يستحق التصوير، وكل حركة لها جمهور، وكل شخص يستطيع أن يتحول إلى خبير أو مؤثر أو صاحب «تجربة»… فقط لأنه قرر أن يضع الهاتف أمام وجهه.
صبيّة تشتري مشّاية، أي خفًّا منزليًا جديدًا، فتبدأ بتصويرها من جميع الزوايا، وتعرضها على المتابعين، وتتحدث عن لونها وشكلها ومميزاتها. نحن لا نتحدث عن اكتشاف علمي، ولا عن اختراع جديد… إنها مشّاية! لكن في تيك توك، حتى المشّاية أصبح لها حقها في الشهرة.
وأخرى تشرح لنا كيف ستخطط حواجبها، وأين سترسم الخط، وما الشكل الذي يناسب وجهها. في الماضي كان الحاجب شأنًا شخصيًا ينتهي أمام المرآة. اليوم أصبح الحاجب مشروعًا جماهيريًا، وله متابعون ومناقشات وربما آراء أكثر مما يحصل عليه بعض المرشحين للانتخابات!
ثم يظهر رجل كبير في السن وقد قرر أن يثبت لنا أن عالم الحيوان ليس بعيدًا عنه. مرة يتحول إلى نسر، يمد ذراعيه ويقلد حركاته، ومرة يصبح قردًا ويقلد حركاته وأصواته بكل جدية. والمشاهد يتابع، يضحك، يعلق… وربما ينتظر بفارغ الصبر الحلقة القادمة: ماذا سيكون الحيوان التالي؟
ولا تنقصنا حفلات الرقص العائلية. رجال كبار في السن يرقصون أمام الكاميرا، وبعضهم يؤدي حركات قد تجعلك تسأل نفسك: هل نحن أمام فيديو عابر أم أمام افتتاح الموسم الجديد من «نجوم الرقص»؟
وهناك شاب يبدو أنه وقّع عقدًا طويل الأمد مع برّاد منزله. كل يوم تقريبًا يقف في المطبخ بالقرب منه ويرقص. البراد ثابت، المطبخ ثابت، والرقص مستمر. أصبح لدينا محتوى يومي من نوع: «رقصة اليوم… والبراد حاضر كالعادة».
ثم تأتي شابة تأكل الجبن مع البطيخ وتقدم لنا التجربة وكأنها اكتشاف سيغيّر مستقبل البشرية. الجبن مع البطيخ! اكتشاف عظيم، فقط ينقصه مؤتمر صحافي وإعلان رسمي عن بدء العمل به عالميًا.
وبالطبع لا يمكن أن ننسى أصحاب اختصاص تذوق الطعام.
شخص يأخذ لقمة، يسكت، يغلق عينيه، يحرك الطعام داخل فمه، ثم ينظر إلى الكاميرا بنظرة الخبير ويقول لك: «القوام ممتاز، الملوحة متوازنة، والنكهة في النهاية تحتاج قليلًا من الحموضة».
يا أخي، إنها بطاطا مقلية!
ثم يمنحها 7.5 من عشرة، لأن نصف العلامة ضاعت بسبب «غياب العمق في النكهة». وهنا تشعر أن البشرية قطعت شوطًا طويلًا في العلم، حتى وصلنا أخيرًا إلى مرحلة تقييم البطاطا بالفواصل العشرية.
وهناك من يصور مشترياته، ومن يفتح الطرود، ومن يعرض محتويات حقيبته، ومن يرتب خزانته أمام الكاميرا، ومن يصور تحضير القهوة، ومن يصور ماذا أكل على الغداء، ومن يصور ماذا سيفعل بعد الغداء.
أصبح اليوم العادي يحتاج إلى سيناريو وتصوير ومونتاج وموسيقى وجمهور.
في ما مضى، إذا أرادت فتاة أن تصلح مكياجها في مكان عام، كانت تذهب إلى التواليت بحثًا عن الخصوصية. اليوم يمكن أن تجلس أمام آلاف الأشخاص لتشرح لهم كيف سترسم حاجبيها.
حتى الخصوصية دخلت عالم المحتوى!
والسؤال لم يعد: «هل هذا الأمر خاص؟»
بل: «كم مشاهدة يمكن أن يحقق؟»
المشكلة ليست في أن يرقص الإنسان، أو يأكل، أو يشتري مشّاية، أو يجرب وصفة، أو يقلد حيوانًا. فليكن.
المشكلة أن كل ذلك أصبح يقدم أحيانًا على أنه إنجاز يستحق التصفيق.
نحن أمام زمن غريب فعلًا: رجل يتحول إلى نسر وقرد، ورجل يرقص أمام البراد، وشابة تكتشف الجبن مع البطيخ، وخبير يمنح البطاطا 7.5 من عشرة، وصبيّة تقدم مراجعة شاملة لمشّاية البيت.
والأجمل أننا نشاهد كل هذا بإرادتنا، ثم نغلق الهاتف ونسأل:
«كيف وصل تيك توك إلى هذا المستوى؟»
والحقيقة أن تيك توك لم يصل وحده.
نحن أخذناه إليه… مشاهدةً بعد مشاهدة، وإعجابًا بعد إعجاب.
وكلما قلنا:
“لا يمكن أن يكون هناك أغرب من هذا»، يأتي فيديو جديد ليؤكد لنا أن الخيال البشري، عندما يتعلق بالمشاهدات، لا سقف له… وأن القادم قد يكون أغرب مما نتخيل”!!


