في كل مناسبة رياضية، ينجح بعض المشجعين في لبنان في تحويل مباراة كرة قدم إلى معركة شخصية، وكأنهم يدافعون عن أوطانهم لا عن منتخبات أجنبية لا تعرف أصلًا بوجودهم. وآخر المشاهد المؤسفة كان ما رافق مباريات ألمانيا وباراغواي، حيث خرج التشجيع من إطاره الرياضي، وتحول إلى إشكالات لا علاقة لها باللعبة.
وكأن المشهد لم يكن كافيًا، حتى مباراة اليابان والبرازيل لم تسلم من “الحماس الزائد”، حيث انتقل البعض من متابعة كرة القدم إلى رفع مستوى التوتر وكأن المباراة تُلعب على أرضهم وباسمهم الشخصي، لا بين منتخبين على بعد آلاف الكيلومترات لا يعرفان شيئًا عن هذه المعارك الجانبية.
والمفارقة أن القائمة لا تبدو أنها تنتهي هنا، فحتى مباريات أخرى تمرّ أحيانًا على وقع توتر غير مبرر، وكأن كل مباراة تحتاج إلى طرف رابح في الشارع أيضًا، لا فقط على أرض الملعب، فتتحول المقاهي إلى مدرجات حادة، والنقاشات إلى مباريات إضافية لا وجود لها على الشاشة.
الأطرف في كل ذلك أن بعض المشجعين يتصرف وكأن نتيجة المباراة ستغيّر مجرى حياته، أو كأن الدولة التي يشجعها ستتصل به بعد صافرة النهاية لتشكره على “بطولاته” في الشوارع والمقاهي.
لكن الواقع أبسط بكثير: لا ألمانيا ستمنحكم الجنسية لأنكم تشاجرتم من أجلها، ولا باراغواي ستكرمكم، ولا اليابان ستبعث وفدًا خاصًا لتكريم “الدفاع المستميت”، ولا البرازيل ستضيف أسماءكم إلى قائمة الأساطير. المنتخبات ستواصل طريقها، واللاعبون سينتقلون إلى مباريات أخرى، بينما بعض المشجعين ما زالوا عالقين في مباراة انتهت منذ ساعات وربما نُسيت أصلًا هناك.
في مكان آخر من العالم، تنتهي المباراة مع صافرة الحكم، أما هنا فبعض “المباريات” تمتدّ إلى خارج الملعب وتبدأ معها إشكالات لا علاقة لها بكرة القدم، وكأننا أمام بطولة موازية عنوانها: من يتوتر أكثر بعد المباراة.
كرة القدم وُجدت للمتعة، للفوز والخسارة، للضحك والحسرة… لا لتتحول إلى سبب إضافي لخسارة الأعصاب في بلد لا يحتاج أصلًا إلى المزيد من التوتر.

