في زحام الحياة، نتأمل كثيراً في وجوه البشر، وما تخفيه النظرات خلف بريقها أو انطفائها. وحدها العيون الفارغة تثير التأمل؛ تلك العيون التي تخلو من الطمأنينة، ويسكنها شعور خفي بالتربص وكأن أرزاق الآخرين قد اقتطعت من نصيبها! إنها نظرات لا تتقن سوى ترصد النعم، وكأن الخير في هذا الكون شحيح لا يكفي الجميع…
غير أن الحقيقة الأعمق التي تغيب عن هذه القلوب هي سعة هذا الكون العظيم. فالله جل وعلا خلقنا جميعاً، وقسم الأرزاق بحكمة بالغة لا تظلم أحداً. لقد وسعت السماء الطير في مساراتها الرحبة، وفتحت الأرض خزائنها لكل كائن، فهل يُعقل أن تضيق سماء الرحمة الإلهية عن سعة أحلامنا وأيامنا؟
إن النقص الحقيقي ليس في العطاء الإلهي، بل في تلك النظرة الضيقة التي تعتقد أن نجاح شخص ما هو خصم من رصيدها، وأن سعادة أحدهم تعني تعاسة الآخر. ولو أن أصحاب هذه العيون أدركوا أن الرزق بحر لا ينضب، وأن خزائن السموات والأرض ملأى بالخيرات، لاستراحوا وأراحوا. فالشمس تشرق على الجميع بلا تمييز، والمطر يسقي الأرض بغض النظر عن مكانها.
الأرض تسعنا، والسماء ترتفع فوقنا بالرحمة ذاتها. لا داعي للتزاحم على النجاح، ولا مبرر للحسد على نعمة ساقها الله لصاحبها؛ فلكل إنسان نصيب مقدر، وبصمة فريدة لا ينافسه فيها أحد.
فلنطهر قلوبنا من غشاوة النقص، ولنملأ عيوننا بضوء الرضا. عندما نؤمن تماماً أن سماء الكون رحبة بما يكفي
لأجنحة الجميع، وأرضه معطاءة لا تبخل على ساعٍ، سنرى العالم ببهجة مختلفة، وندرك أن الخير متسع لكل القلوب الصافية…


