أحدث ترند العودة إلى حقبة الثمانينات تفاعلاً واسعاً ومحبة لافتة عبر منصات التواصل الاجتماعي، متجاوزاً حدود «الموضة الرقمية» ليتحوّل إلى حالة وجدانية جماعية. وهذا الإقبال لم يأتِ من فراغ، بل يستند إلى اعتبارات عميقة تمسّ حياة الناس وذكرياتهم.
فمن الناحية الشخصية، يسعى كل فرد إلى إحياء فترة عمرية عاشها وأحبها، مختاراً أغنية طبعت وجدانه لتكون المرافق الصوتي لذكرياته. والأهم من ذلك هو الحنين الجارف إلى مرحلة كانت فيها الحياة أبسط، والمعيشة أسهل، وتعاطي الناس محكوماً بالطيبة والألفة.
في ذلك الزمن، كانت الزيارات العائلية اليومية وسؤال الجار عن جاره واقعاً معاشاً، لا مجرد رسالة نصية عبر الهاتف، بل وصل الأمر ببعض الجيران اليوم إلى التخلي حتى عن تبادل التحية.
وعلى مائدة الطعام، اختلف المشهد كلياً، كنا نأكل ما لذّ وطاب من الموائد اللبنانية الفاخرة والأصيلة، قبل أن تغزو موائدنا ثقافات الأكل السريع، مثل السوشي والنودلز. أما الفن، فكان مرآة لدفء العائلة وعمق القضايا الاجتماعية والإنسانية؛ حين كنا نلتف حول الشاشة لنتابع أساطير الشاشة مثل هند أبي اللمع، وعبد المجيد مجذوب، وأبو ملحم، وفرقة أبو سليم، بعيداً عن صخب الجريمة والخيانة والمسلسلات المعرّبة التي باتت تغرق في بيئات بعيدة عن هويتنا.
وفي الطرب، كانت الأذن تتغذى على أجمل الكلمات والألحان من عمالقة الفن، بالتوازي مع بزوغ نجم جيل الشباب في لبنان، مثل راغب علامة، ووليد توفيق، وعازار حبيب، وفي مصر كبار النجوم ونجوم الشباب يومذاك، مثل هاني شاكر، وعلي الحجار، ومدحت صالح، من دون أن تكون الساحة قد عرفت بعد أسماء مثل حمو بيكا وعمر كمال.
حتى التفاصيل اليومية كانت تحمل نكهة مختلفة، فكبار السن كانوا يستمتعون بأرجيلة «العجمي» وأصالتها، لا بمشهد مراهقين مدمنين على المعسل كما نراه اليوم.
أما الرحلات العائلية، فكانت عنواناً للسعادة المطلقة؛ تخرج العائلة في يوم العطلة إلى البرية، تجلس تحت ظلال الأشجار لتتناول طعامها، بينما يغرق الأولاد في اللعب والضحك. أما اليوم، فقد تجلس العائلة في أفخم المطاعم، لكن البهجة الحقيقية تبدو غائبة، فيما يأكل الناس ويمضون في سباق محموم مع الزمن.
لقد انتقد البعض هذا الترند، معتبرين إياه ترفاً فكرياً أو مبالغة في استحضار الماضي، لكن الحقيقة أن دعوة الناس إلى استعادة تلك المرحلة الجميلة، ولو للحظات، يمكن أن تكون متنفساً حقيقياً.
أليس الانشغال بالذكريات والماضي الجميل أفضل بألف مرة من قضاء ساعات طويلة على وسائل التواصل الاجتماعي في متابعة الفتن والنعرات الطائفية والخلافات التي لا تنتهي؟
فالذي شارك في هذا الترند لم يخدش حياءً، ولم يدعُ إلى تعصّب، ولم يرقص عبثاً على «تيك توك»؛ بل كل ما فعله أنه استلّ سيف الحنين، ليعود برهة إلى زمن كانت فيه للحياة بساطة، وللناس مودة، وللوقت معنى.
بل كل ما فعله أنه فتح نافذة صغيرة على زمنٍ لم يعد موجوداً، ليطلّ منه للحظات على حياةٍ كانت أقرب إلى الناس.
وربما لهذا السبب تحديداً، لم يكن ترند الثمانينات مجرد عودة إلى الملابس والأغاني القديمة، بل كان محاولة للعودة إلى أنفسنا قبل أن يسرق منا الزمن كل شيء.


