إمتزج أبناء جبل عامل بسكان الساحل الفينيقي واتفق المؤرخون على عروبة العامليين ونسبهم الذي يعود إلى قبيلة عاملة التي تعود بالأصل إلى عاملة بن سبأ ابن يشجب بن يعرب بن قحطان الذي هاجر من اليمن إلى أطراف الشام قبل الميلاد بثلاثمائة سنة بعد حادثة “سيل العرم” التاريخية.
بعد دخول الصحابي أبي ذر الغفاري إلى جبل عامل لاقت دعوته إستجابة وتاييدا سريعا لدى أبناء جبل عامل فأصبحت المنطقة حاضنة للعلماء الذين نشروا العلوم الدينية وتغلغلوا في بلاد فارس خاصة في عهد الدولة الصفوية في القرن السادس عشر الميلادي حيث مدتها بالفقه والفكر والعلوم المختلفة أدى ذلك الى التفاعل والتلاقح الفكري الذي إنعكس إلى أماكن أخرى منها أمتداد هجرة علمائه إلى النجف الأشرف في العراق بإعتباره معقلا ومعهدا علميا وفقهيا له وزنه وكان يؤمه كل طالب علم من أنحاء العالم.
حمل أبناء جنوب لبنان لواء الإيمان والعروبة وتغنوا بوطنيتهم اللبنانية وخلصوا لوحدة لبنان والزود عنه نذكر منهم الشيخ أحمد عارف الزين صاحب مجلة العرفان وجريدة جبل عامل.
إنضوى أبناء جبل عامل ألى جمعية الثورة العربية وقد وصف حينها الشيخ سليمان الضاهر “العامليون من أبناء الجنوب عرب الأصول ،عرب اللسان,عرب اليد,عرب الوجه ففيهم العدناني وفيهم القحطاني وفيهم من يمت بأسد والأوس والخزرج من الأنصار وبهمدان وتغلب ووائل وفيهم الكثيرون المنتسبون إلى غسان”.
في عام ١٩١٤ أوفدت جمعية الثورة العربية إلى جبل عامل الشهيد عبد الكريم الخليل رئيس المنتدى الأدبي بهدف تأسيس فرع للجمعية في النبطية فألقي القبض عليه مع أخرين وتمت محاكمتهم ظلما بعد طول إحتجاز ,وما أن انتهت الحرب العالمية الأولى حتى ظهرت معالم ثورة أخرى داعية إلى مقاومة الأستعمار الفرنسي ولما نضج الحراك دعي إلى مؤتمر وادي الحجير عام ١٩٢٠ ومن أهم مقرراته رفض الدخول تحت الحماية الأجنبية أو الإنتداب.
في هذه الأثناء دخلت الأطماع الصهيونية على جنوب لبنان عاملا أشد خطورة حتى طالت المنظمة الصهيونية العالمية بضم جنوب لبنان إلى الكيان الصهيوني وقدمت مذكرات لدى المحافل الدولية الاستعمارية تتذرع لديها بحقها في إستثمار مياه الليطاني وإدخال مياهه ضمن نطاق الدولة الصهيونية .
ومنذ مؤتمر الصلح في باريس ظهرت بوضوح مطالب الصهاينة بضم مناطق من جنوب لبنان.
وفي مطلع عام ١٩٣٢ زارت بعثة الوكالة اليهودية بيروت لتناقش مشروع إستخدام نهر الليطاني في جنوب لبنان من أجل إنشاء شركة مشتركة لتأمين الري والكهرباء.
في مطلع إستقلال لبنان تعاظمت الإضرابات التي عمت جبل عامل بعد إعتقال رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ونواب ووزراء من كافة المناطق اللبنانية.
أثناء نكبة فلسطين عام ١٩٤٨ ضمت العصابات الصهيونية ثلاثون بلدة وقرية من جنوب لبنان وقد تبين أن تدمير وتفريغ قرى الجنوب من أهلها هو هدف إستراتيجي للعدو الصهيوني لتحقيق أمن المستوطنات الشمالية وإعادة رسم وقائع جغرافية وديموغرافية كما اقتطع جيش العدو الأسرائيلي عام ٦٧ أراض من خراج بلدة شبعا.
لم يتوانى أبناء جبل عامل عن التفاعل مع القضية الفلسطينية والدفاع عنها إنسجاما مع وحدة المصير والإنتماء خاصةان المنظمة الصهيونية قد حددت بأن إستيطان اليهود سيمتد إلى شمال الجليل وجنوب لبنان أقله عند نهر الليطاني وفق ما ورد في التوراة وفق مزاعمهم بأن النصر الإسرائيلي يقاس بالسيطرة على الأرض.
أمام تحديات إسرائيل ومن هم وراء إسرائيل عرض شاه إيران محمد رضا بهلوي على أبناء جنوب لبنان المال والعون والحماية من الحروب والقتل والرعاية من التشرد والنزوح والتهجير القسري لكنهم رفضوا بالمطلق شعوبيته وتعاونه مع قوى الإستعمار داعمي دولة إسرائيل ،ووقفوا مع جمال عبد الناصر ووجدوا في ثورته الناصرية الامل والغاية وكان اندفاعهم لها تعبيرا عن التمسك بالانتماء.
وما زالت الذاكرة الجماعية تحتفظ بأبهى الصور البطولية التي بذلها أبناء الجنوب أثناء إجتياح ٧٨ و٨٢ وكان الجنوبيون الخزان البشري لقوى المقاومة بكافة فصائلها واتجاهاتها التي جمعتهم السبل في مواجهة العدو الصهيوني .
نحن الآن في مرحلة من مراحل الاستنزاف المفتوح والصراع بإنتظار بزوغ فجر جديد يبشر بالحرية .
وان النصر لا يتحقق سوى بالوحدة الوطنية ويبقى لبنان فوق كل إعتبار.

