لقد استنفدت مدة توقيف المتهمين بالارهاب دون تحديد مفهومه اضعاف مايستحقون من عقوبة وما زال بعضهم على ذمة التحقيق ولميخضعوا للمحاكمة وقد اعتقل معظمهم بسبب افكارهم وأرائهم وصدرت احكام غيابية بأخرين ومنهم من صدر بحقهم عقوبة الاعدام أوالسجن المؤبد دون إثبات ودون ان يتسنى له ممارسة حق الدفاع المقدس ،وفي ظل تعطيل قاعدة ان الشك يفسر لمصلحة المتهم او تطبيقمبدأ ان المتهم بريء طالما لم تثبت إدانته اذ ان العدالة لاتنهض على الشبهات بل تستقيم بإجراء محاكمة عادلة تمهيدا لصدور أحكامقضائية لا تتأثر بتدخلات سياسية.
ان تعطيل المحاكمات للذين سموا “بالموقوفين الاسلاميين“لسنوات طويلة وانتظروا خلف القضبان ظلما وبهتانا شكل خللا ثقيلا في ميزانالعدالة التي لا تحتمل التأجيل في إصدار الاحكام ،ومن خلال تجربتي المهنية حيث توكلت عن أحد الموقوفين “الاسلاميين“في سجن روميةمنذ أكثر من خمسة عشر عاما وكان هدفي الانساني قبل القانوني ان أسبر في أغوار دوافعه فوجدت ظلما اجتماعيا تفاقم أكثر نتيجة انالملف القضائي ما زال يراوح مكانه.
ثم تسنى لنا أثناء المشاركة في اجراء عملية الكشف على السجون في عهد نقيب المحامين في بيروت د. ملحم خلف واحصاء عدد الموقوفينوالمحكومين في السجون ودراسة اوضاعهم الانسانية حيث فوجئنا بحالات مأسوية منها وجود كثافة من المحكومين امضوا مدة عقوبتهم ومازالوا في السجن لعدم تسديد الغرامات المالية ومنهم فاقد للحراك او عديم الحيلة اما بسبب عجز او مرض عضال او انقطاعه عن العالمالخارجي وأصبح كما يقال “مقطوع من شجرة“.
وأمام تفاقم الألم بإنتظار الموقوفين سنوات خلف القضبان ندعو الى ايجاد مخرجات قانونية انسانية تتسم بالتجرد والعمومية بشكلاستثنائي خاص في حدود المتاح والممكن والمباح ووضع رؤية تضع كرامة الانسان فوق كل أعتبار واتقاء للظلم والجور في الرعية التيتأججت لفقدان الثقة بالدولة مما يقتضي الاحتكام للانصاف الذي يقترن بالرحمة واعادة التوازن بين العدالة والانصاف دون المساس بحقوقالمتضرر .
والآن تطرح اللجان النيابية المشتركة البحث في عدة إقتراحات ذات الصلة وتعقد جلسات دورية للتوصل الى صيغة نهائية لسن قانون عفوعام استثنائي قبل إحالة صياغة مشروع التعديل إلى الهيئة العامة ويأتي استجابة لخيار وطني جامع يعالج تداعيات واقع لم يعد يحتملوهو يشمل جرائم معينة لا تقاس على اشخاص معينين.
يجب ان لا يخضع هذا القانون لمعايير مزدوجة بل ينبغي الابتعاد فيه عن اي صيغة مبتورة وان لا يتأثر بالتجاذبات السياسية والمزايدات التيتبتغي استثماره سياسيا وانتخابيا او أستغلاله ليتضمن تبييض جرائم خطيرة تتعلق يالامن الاجتماعي والمالي والاقتصادي وامن الدولةالامني والعسكري.
يجب ان تستثنى جرائم الخيانة(المادتين ٢٧٤ و٢٧٥ عقوبات)والجرائم الواقعة على امن الدولة الخارجي (المواد ٢٧٣لغاية ٢٨٠عقوبات)وجرائم التعامل والتواصل مع العدو الاسرائيلي كما ان لا يتضمن جرائم اختلاس المال العام وقانون الاثراء غير المشروع وقانونمكافحة الفساد والقوانين المتعلقة بالآثار والقتل العمد أو القصد بحق العسكريين او المدنيين وجرائم تجارة المخدرات.
يجب العمل على إطلاق سراح الموقوفين الذين تجاوزت مدة توقيفهم القانونية واستكمال محاكمتهم دون توقيف وإمكانية استبدال عقوبةالاعدام بالسجن لمدة عشرين سنة .
وأثناء الولوج في كتابة هذه السطور استوقفني صدور حكم ببراءة فضل شاكر وأحمد الاسير الحسيني في دعوى قتل هلال حمود فيصيدا والتي نظرت بهذا الملف محكمة الجنايات في بيروت وهذا مايؤكد ان صدور قانون العفو العام بات ضرورة ملحة للخروج من تداعياتمرحلة مؤلمة ساهمت في أكتظاظ السجون بموقوفين لم تحسم مصائرهم او تجاوز مدة توقيف ما يستحقه المسجونين من عقوبة او الطامةالكبرى وجود مساجين ابرياء.
وكما قال الامام علي بن ابي طالب كرم الله وجهه “شيئان لا يوزن ثوابهما :العفو والعدل“و“بالعدل تصلح الرعية“و“من ضاق عليه العدلفالجور عليه أضيق“.

