في الرابع من آب، اهتزّت بيروت، لا فقط بانفجارٍ دمّر أحياءها، بل برجّة ألم هزّت قلوب أهلها وكل من عرفها وعشقها. بيروت، المدينة التي احتضنت الجميع، والتي أحبّت أبناءها وضيوفها بلا تمييز، كثيرون ردّوا لها الوفاء، لكن كثيرين أيضاً خذلوها، تخلّوا عنها، أو تآمروا عليها.
بيروت، هذه المدينة الجميلة التي تغنّى بها الشعراء، وكتب عنها الكبار، حاول أعداؤها أن يكسروها، أن يغطّوها بثوب الحزن والأسى، وأن يطفئوا شمعتها ويكسروا روحها. كم من حاقد أرادها مدينةً من رماد، وكم من كاره تمنّى أن يراها بلا ألوان، بلا حياة.
لكن بيروت لم تكن يومًا مدينة تستسلم. رفضت أن تُحكم بمنطق الميليشيات، وتمسّكت بهويتها الوطنية الجامعة. وعندما اجتاح العدو الإسرائيلي لبنان عام 1982، كانت في قلب المواجهة، فصمد أبناؤها ودافعوا عنها بكل شجاعة. وما زالت معارك المتحف والبربير، وسائر ما عُرف بخطوط التماس، شاهدة على تضحيات أبناء العاصمة الذين تشبثوا بمدينتهم، ورفضوا أن تنكسر أو تفقد وجهها الحقيقي، مؤكدين أن بيروت كانت وستبقى مدينة الحرية والكرامة.
ولأن بيروت كانت دائماً منارةً للفكر والحرية، كثر أعداؤها. فاستُهدف أبناؤها، واغتيل عدد من أبرز رجالاتها ومفكريها وعلمائها وإعلامييها، فيما اضطر آخرون إلى مغادرة الوطن قسرًا أو عاشوا مرارة المنفى. ورغم كل محاولات الاغتيال والإقصاء والنفي، بقيت بيروت تنجب المبدعين والمثقفين وأصحاب الكلمة الحرة، لتؤكد أن مدينة الفكر لا تُغتال، وأن رسالة الحرية أقوى من الرصاص.
لكنهم لم يدركوا أن بيروت ليست مجرد شوارع وأبنية، بل نبضٌ لا يموت. بيروت ليست حجارةً مهدّمة، بل روحٌ عصيّة على السقوط. هي المدينة التي تنهض في كل مرة من بين الركام، وتعيد رسم ملامحها من دموع أم، ومن ضحكة طفل، ومن أغنية تُبثّ على موجات الإذاعة في زحمة السير.
أرادوا أن يطمسوا هويتها، وأن يسلبوها حضارتها، وأن يجعلوها فراغًا بلا مبدعين، بلا مثقفين، بلا نبض. أرادوها مدينةً بلا ناسها، بلا لهجتها، بلا لهفتها. لكنها خيّبت آمالهم، لأن بيروت لا تُختصر بحجارة أو مبانٍ، بل بأهلها، بتاريخها، وبإرادتها التي لا تعرف الاستسلام.
بيروت، الحاضنة لكل أطياف الوطن، من الجنوب إلى الشمال، ومن البقاع إلى جبل لبنان. بيروت التي لا تُفرّق بين طائفة ومذهب، والتي تنبض بكل الألوان، ستبقى كما كانت دائمًا قلب لبنان، روحه، وعينه على العالم.
ستبقى بيروت منارة هذا الشرق، مهما عصفت بها الرياح، ومهما كثرت الجراح. وستظل مدينة الثقافة والإبداع والحرية، لأن أبناءها كانوا وما زالوا يؤمنون بأن الأوطان تُبنى بالإرادة، لا بالخوف، وبالحياة، لا بالدمار.
قد يُدمّر الانفجار حجارة مدينة، لكنه لن يهزم مدينة اسمها بيروت.
لأن بيروت ..لا تموت.


