يونيو 12, 2026

الدولة في حياتنا… والوطن في كلامنا.!

الدولة في حياتنا… والوطن في كلامنا.!
فؤاد كيالي -كاتب ومخرج إذاعي

في لبنان، يبدو أننا نجحنا في اختراع معادلة فريدة نؤمن بالدولة عندما نريد خدمة، ونؤمن بالوطن عندما نريد إلقاء خطاب. فالدولة بالنسبة إلينا هي كهرباء وماء وباصات ودوائر رسمية، أما الوطن فهو شيء نرفعه في الأغاني والمناسبات ثم نعيده إلى مكانه حتى إشعار آخر.

 

عندما تنقطع الكهرباء نقول: “الدولة فاشلة”. وعندما تتأخر المياه نقول: “الدولة مقصّرة”. وعندما يتعطل باص الدولة نقول: “هذه هي الدولة”. لكن نادرًا ما نسأل أنفسنا إن كانت هذه الدولة تتكوّن أصلًا من مواطنين يعتبرون المرفق العام ملكًا لهم أم ملكًا لشخص مجهول لا يعرفه أحد.

 

خذوا زحمة السير مثالًا. الجميع يشتكي من الفوضى المرورية ويطالب الدولة بإيجاد الحلول، لكننا في الوقت نفسه نركن سياراتنا في الممنوع، ونعكس السير عند أول فرصة، ونتجاوز الإشارة الحمراء إذا لم يكن هناك شرطي. نصنع جزءًا من المشكلة بأيدينا، ثم ننتظر من الدولة أن تعالجها وحدها. كأن الفوضى مسؤوليتنا، أما النظام فمسؤوليتها وحدها.

 

وخذوا “باص الدولة” مثالًا آخر. الجميع يطالب بزيادة عدد الباصات وتحسين الخدمة، وهذا حق طبيعي. لكن بعضنا يتعامل مع الباص وكأنه وصل من كوكب آخر: مقعد يُخدش، نافذة تُكسر، نظافة تُهمل، ثم نعود لنسأل باستغراب لماذا لا تنجح الخدمة العامة. كأن المطلوب من الدولة أن تحافظ على الممتلكات العامة، ومن المواطن أن يكتفي بانتقادها.

 

وفي أزمة النفايات، الدولة متهمة دائمًا، وربما بحق، لكن هل فرزنا النفايات؟ هل حافظنا على الشارع كما نحافظ على منازلنا؟ أم أن الرصيف العام ما زال في نظر البعض مكانًا لا مالك له، وبالتالي لا مسؤول عنه؟

 

المفارقة أن المواطن اللبناني يريد دولة قوية وقوانين صارمة، لكنه غالبًا يفضّل أن تُطبَّق على الآخرين أولًا. نطالب بالنظام، ولكن بشرط ألا يحدّ من استثناءاتنا الخاصة. نرفض الفوضى، لكننا نتسامح معها عندما نكون نحن المستفيدين منها.

 

هكذا أصبح الوطن عاطفة جميلة والدولة جهة نتذمر منها، بينما ضاعت بينهما فكرة المواطنة. والحقيقة البسيطة أن الدولة ليست موظفًا مجهولًا خلف مكتب، والوطن ليس قصيدة فقط. كلاهما يبدأ من سلوكنا اليومي، من احترام القانون، ومن التعامل مع الممتلكات العامة على أنها ملك لنا جميعًا.

 

 

 

في النهاية، من حقنا أن نطالب الدولة بالإصلاح، بل هذا واجب. لكن من الإنصاف أيضًا أن نعترف بأن الإصلاح لا يبدأ من المكاتب الرسمية فقط، بل من الشارع الذي نقود فيه سياراتنا، ومن الرصيف الذي نسير عليه، ومن الباص الذي نستخدمه، ومن المرفق العام الذي نتعامل معه. فليس من المنطقي أن نصنع الفوضى بأيدينا، ثم نغضب لأن الدولة لم تنجح في تحويلها إلى نظام.

 

عن المؤلف


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شارك برأيك
استفتاء عام

📊 رأيك يهمنا

شارك بتصويتك والتأثير في الرأي العام

🎤 ما هي الوسيلة التي تفضلها لمعرفة اخر الاخبار وقت الأزمات؟

١
مجموعات whatsapp 43%
٢
التلفزيـون 27%
٣
المواقع الإخبـاريـة 30%

جاري تسجيل تصويتك...