من القاسي الاعتراف بأن اللبنانيين باتوا يتوقعون ألّا تمرّ سنة من دون حدث كبير أو مصيبة. هذا الواقع يفرض عليهم، في كلّ مرة، البحث عن وسيلة لتفريغ القلق والحزن المتراكم. لذلك، في الحرب كما في السلم، لا تغيب النكات عن المشهد، بل تتحوّل إلى لغة يومية يُعبّرون من خلالها عن مشاعر لا يفضّلون البوح بها صراحةً. ومع كل حدث، تمتلئ الشاشات بالمنشورات الساخرة التي تنتشر بسرعة لافتة، في ظاهرة قلّما نجد لها مثيلًا في مجتمعات أخرى. لكن ما سرّ هذا السلوك؟ ولماذا يختار اللبنانيون هذه الطريقة تحديدًا للتعبير؟
الأكيد أن السخرية ليست عبثية، فبحسب الأخصائية النفسية إيلّا عيمانوئيل، هي وسيلة يستخدمها اللبنانيون للتأكيد أن المحن لن تنتصر عليهم، رغم أن ذلك قد يعتبر قلة احترام في بلدان أخرى. فالضحك، وفقًا لها، يصبح أداة لتخفيف وطأة الألم وتجريد الأحداث من رهبتها، مشيرةً إلى أنه سلوك نابع من تراكمات طويلة من الحروب والأزمات، التي أسهمت في “تقسية جلد” المجتمع.
لكن هل تُعدّ هذه السخرية قوة نفسية أم مجرّد آلية دفاع أو حتى هروبًا من الواقع؟
تعتبر عيمانوئيل أن المسألة مركّبة، إذ تجمع بين هذه الأبعاد جميعها. فهي ترى أن الفكاهة السوداء تُعدّ آلية دفاع نفسي بامتياز، تتيح خلق مسافة بين الفرد والصدمة، بما يشبه الوسادة الهوائية التي تخفف وقع الحوادث، مشيرةً إلى أن هذا النمط من التكيّف يتطلّب قدرًا عاليًا من المرونة العاطفية والذكاء الاجتماعي وسرعة البديهة. وتضيف أن للضحك آثارًا نفسية إيجابية، إذ يخفف من الانغلاق والاكتئاب، ويزيد إفراز هرمونات السعادة، ويعزّز الروابط الاجتماعية، ما يجعله بمثابة مخدّر خلال الأزمات.
لكن هذه الآلية، وفق عيمانوئيل، قد تنقلب في بعض الحالات إلى شكل من أشكال الهروب، حين يُستخدم الضحك لتجنّب مواجهة الحزن أو التنصّل من المسؤوليات الفردية والجماعية.
كما تحذّر من أن الإفراط في السخرية قد يؤدّي إلى كبت المشاعر، وقد يؤجّل الانفجار النفسي إذا لم يترافق مع مساحات آمنة للتعبير عن الحزن والغضب، فتتحوّل السخرية حينها إلى قناع يخفي الألم بدل أن يسهّل مواجهته.
أيضًا، هذا النمط قد يفرض ضغطًا اجتماعيًا على الأفراد الذين لا ينسجمون مع السخرية السائدة، ما يجعلهم يشعرون بأن حزنهم غير مرحّب به، ويدفعهم إلى العزلة، وفقًا لعيمانوئيل.
وبالعودة إلى جذور السخرية السوداء وسبب تحوّل المجتمع اللبناني إلى أرض خصبة لها، تشرح عيمانوئيل أنها ترتبط بثلاثة عوامل أساسية. فتشير أولًا إلى طبيعة اللغة والثقافة الشعبية الغنية بالتلاعب اللفظي وروح الدعابة. ثانيًا، تخلق التعدّدية الطائفية والسياسية توترًا دائمًا، فتتحوّل السخرية المحايدة إلى أرض مشتركة للتواصل بين المختلفين. ثالثًا، يدفع ضعف الدولة المواطن إلى استخدام السخرية كوسيلة رمزية للتعبير عن العجز الجماعي ومواجهة السلطة في ظلّ شعوره بأنه في “سفينة بلا قبطان”.
وأسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تضخيم هذه الظاهرة، برأي عيمانوئيل، عبر تحويل المأساة إلى نكتة فورية، جماعية، سريعة الانتشار، ومحتوى يتنافس عليه المستخدمون. وهو أمر يحوّل الأحداث الأليمة إلى مواضيع عابرة، سرعان ما تُستبدل بغيره، وفقًا للأخصائية.
في المحصّلة، تعتبر عيمانوئيل أن ما يفعله اللبنانيون هو أشبه بفنّ البقاء في ظروف لا تحتمل وفي زمن أصبح الحزن الطويل ترفًا. وتؤكد أن السخرية ليست مجرّد ردّة فعل، بل هي أسلوب حياة يعكس قدرة لافتة على الصمود، مشيرةً إلى أن التحدّي الحقيقيّ يبقى في تحقيق التوازن بين الضحك كوسيلة للاستمرار، والضحك كغطاء للهروب من مواجهة الواقع والعمل على تغييره.
إذًا، في لبنان، أصبح الضحك على الآلام الوسيلة الوحيدة لتخدير أوجاعنا، إلّا أن ذلك لا يلغي ضرورة معالجتها من الداخل، كي لا تضعف مناعتنا أمام الاضطرابات النفسية.
