في أحد أحياء المدينة، يجلس علي محمد اليوسف داخل محله الذي شهد سنوات طويلة من العمل والتعب، يصلح الأحذية والجزادين والبوطات بإتقان الحرفة القديمة، فيما تحتفظ يده الأخرى بموهبة لا تقل جمالاً… الرسم.
كيف تعلمت مصلحة تصليح الأحذية ومن أخذتها؟
يبتسم علي محمد اليوسف وهو يعود بذاكرته إلى طفولته قائلاً:
“أخذت هذه المصلحة من والدي، كان عنده محل بالبلد. كنت أحمل له الغداء وأجلس إلى جانبه، ومن يومها بدأت أتعلم منه شيئاً فشيئاً. بالبداية كنت أقعد ساعة أو ساعتين، ولما كان يروح عالبحر يترك لي المحل، وإذا إجى زبون كنت حاول أخدمه وأسوي له شغله. شوي شوي تعلمتها وصارت ببصمة إيدي.”
كم سنة أمضيت في هذه المهنة؟
يجيب بثقة ممزوجة بالفخر:
“صار لي تقريباً بين 55 و60 سنة بهالمصلحة.”
سنوات طويلة لم تكن مجرد مهنة بالنسبة له، بل جزءاً من هويته اليومية التي صاغتها الخبرة والصبر.
كيف اكتشفت موهبتك بالرسم رغم عملك في تصليح الأحذية؟
يقول اليوسف:
“من وأنا صغير كنت أرسم بالمدرسة، وكانت رسوماتي تعجب الأساتذة، حتى إنهم كانوا يعلقوها. شوي شوي صار الأستاذ يعطيني رسومات أكبر أرسمها على لوحات كبيرة ويشرح عليها للطلاب، ومن هون طورت موهبتي.”
متى بدأت ترسم لوحاتك وتعرضها؟
يستعيد ذكريات بعيدة امتزج فيها الفن بوجع الحرب قائلاً:
“من صغري كنت أرسم بالألوان الزيتية، واليوم أرسم بالأكريليك. من حوالي خمس سنين كنت أرسم لبنتي لوحة، ومن هون رجعت أرسم لوحات كبيرة. كان عندي أعمال كثيرة لكنها راحت بالحرب. بعدها رجعت من جديد للرسم، وصار في ناس تشجعني وتطلب مني لوحات.”
ويتابع:
“بفترة من الفترات تركت الرسم وصرت أرسم على الورق فقط، إلى أن زارني فنان وقال لي: حرام ترسم على ورق، لازم ترسم على لوحات. ثاني يوم اتصلت بصاحبي وطلبت منه يجيب لي لوحات وألوان، ومن وقتها رجعت بقوة.”
محل علي الذي بدأ صغيراً مع السنوات لم يبقَ على حاله، إذ يوضح:
“المحل كان صغير زمان، وبعدها أخدت المحل الثاني وفتحته على بعض، ووسعته.”
هل تنوي إقامة معرض فني؟
يجيب بابتسامة تحمل الكثير من الأمل:
“إن شاء الله، ممكن أعمل معرض وأعرض كل اللوحات.”
قصة علي محمد اليوسف ليست فقط حكاية مصلّح أحذية، بل حكاية إنسان جمع بين تعب المهنة وجمال الفن، فحوّل ريشته إلى نافذة تعكس ذاكرة عمرٍ طويل لم تستطع الحرب أن تطفئ ألوانه.





