مايو 21, 2026

بين زمن الأصالة وعصر السرعة… كيف تغيّر التمثيل اللبناني؟

بين زمن الأصالة وعصر السرعة… كيف تغيّر التمثيل اللبناني؟
سهيلة كيالي
المصدر: ليل نهار-سهيلة كيالي

 

شهد الفن الدرامي في لبنان تحوّلات كبيرة عبر العقود، فلم يعد التمثيل اليوم يشبه ما كان عليه في الماضي، سواء من حيث القصص، أو أسلوب الأداء، أو حتى طريقة إنتاج الأعمال الفنية. وبين جيلٍ صنع الدراما بروح المسرح والثقافة، وجيلٍ يعيش عصر السرعة والمنصات الرقمية، تبقى المقارنة بين الأمس واليوم ضرورة لفهم كيف تطوّر الفن اللبناني، وما الذي خسره أو كسبه.
في الماضي، كانت الدراما اللبنانية تعتمد على النص العميق والحكاية الإنسانية البسيطة القريبة من الناس. كانت القصص تُبنى على الواقع الاجتماعي والعائلي، فتتناول قضايا الحب، والفقر، والهجرة، والعلاقات الإنسانية بأسلوب هادئ يحمل الكثير من المشاعر والمعاني. وكان الكاتب يمنح الشخصيات وقتاً لتنمو أمام المشاهد، لذلك بقيت الأعمال القديمة راسخة في الذاكرة رغم بساطة الإنتاج والإمكانيات التقنية المحدودة.
أما اليوم، فقد تغيّرت طبيعة القصص بشكل واضح. أصبحت الدراما تميل إلى الإيقاع السريع، والتشويق، والصراعات الحادة، مع تأثر كبير بالأعمال العربية والتركية والعالمية. كما دخلت موضوعات جديدة تتعلق بعالم المال والنفوذ والجريمة والتكنولوجيا، وأصبح التركيز أحياناً على الصورة والإبهار البصري أكثر من عمق النص نفسه. ورغم أن هذا التطور منح الدراما اللبنانية انتشاراً أوسع، إلا أن البعض يرى أن الأعمال الحديثة فقدت شيئاً من روحها الإنسانية القديمة.
كذلك اختلف أداء الممثلين بين الماضي والحاضر. فالممثل اللبناني قديماً كان يعتمد على حضوره المسرحي وثقافته الفنية وقدرته على إيصال الإحساس الحقيقي للمشاهد، لذلك كان الأداء أكثر هدوءاً وصدقاً وعفوية. وكانت ملامح الوجه ونبرة الصوت تكفي لإيصال المشاعر بدون مبالغة. كما أن العديد من الفنانين القدامى امتلكوا خلفية مسرحية قوية انعكست على جودة أدائهم أمام الكاميرا.
أما في الوقت الحالي، فقد أصبح الأداء أكثر سرعة وحركة بما يتناسب مع طبيعة الصورة الحديثة والإخراج السريع. وبرز جيل جديد يمتلك حضوراً جمالياً وإعلامياً قوياً، مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي والشهرة الرقمية. لكن في المقابل، يرى بعض النقاد أن عدداً من الممثلين الجدد يعتمدون على الشكل الخارجي والانتشار أكثر من التعمق الحقيقي في الشخصية والأداء.
ولا يمكن إنكار أن التطور التقني ساهم في تحسين جودة الصورة والإخراج والإنتاج الموسيقي، مما جعل الأعمال اللبنانية أكثر قدرة على المنافسة عربياً. لكن رغم كل هذا التطور، يبقى الحنين كبيراً إلى زمن كانت فيه الدراما تُصنع بشغف أكبر، وتُكتب بكلمات تشبه الناس وتحاكي حياتهم اليومية بصدق.
في النهاية، لا يمكن القول إن الماضي كان أفضل بالكامل أو إن الحاضر أسوأ بالكامل، فلكل زمن خصوصيته الفنية وظروفه المختلفة. إلا أن نجاح الدراما اللبنانية الحقيقي يبقى في قدرتها على الجمع بين أصالة الماضي وتطور الحاضر، بحيث تحافظ على عمق القصة وصدق الأداء، مع الاستفادة من التقنيات الحديثة وروح العصر.

عن المؤلف


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شارك برأيك
استفتاء عام

📊 رأيك يهمنا

شارك بتصويتك والتأثير في الرأي العام

🎤 ما هي الوسيلة التي تفضلها لمعرفة اخر الاخبار وقت الأزمات؟

١
مجموعات whatsapp 43%
٢
التلفزيـون 27%
٣
المواقع الإخبـاريـة 30%

جاري تسجيل تصويتك...