في ذكرى استشهاد الشيخ حسن خالد، لا نستذكره بسبب ديني أو مذهبي، ولا من باب الانتماء الطائفي الضيق، بل وفاءً لرجلٍ شكّل في حياته نموذجاً وطنياً جامعاً، حمل همّ لبنان بكل مكوّناته، ودافع عن العيش المشترك والاعتدال، في زمنٍ كانت فيه الانقسامات تعصف بالوطن وتهدّد وحدته.
لقد كان المفتي الشهيد الشيخ حسن خالد من الأصوات القليلة التي ارتفعت دفاعاً عن الدولة والمؤسسات، وعن فكرة لبنان الواحد الذي لا يُبنى إلا بالشراكة بين جميع أبنائه. لم يكن خطابه موجهاً لطائفة دون أخرى، بل كان يرى أنّ قوة لبنان تكمن في تنوّعه، وأنّ أي محاولة لعزل مكوّن أو تغليب فئة على أخرى لن تؤدي إلا إلى المزيد من الانقسام والخراب. لذلك بقي اسمه مرتبطاً بالحكمة والاعتدال ورفض التطرف، وكان حريصاً على أن يبقى الدين مساحةً للقيم والأخلاق والوحدة، لا أداةً للتحريض والانقسام.
وفي لبنان، هناك رجالٌ وقامات وطنية نتوقف أمامها باحترام، لأنهم تجاوزوا حدود الطوائف والمذاهب، وتركوا إرثاً وطنياً وأخلاقياً لا يزال حاضراً في وجدان اللبنانيين. من هؤلاء الامام المغيب السيد موسى الصدر الذي حمل قضية الإنسان المحروم ودعا إلى العدالة والوحدة الوطنية، والامام الراحل مهدي شمس الدين الذي آمن بالدولة المدنية والحوار الإسلامي ـ المسيحي، كما نتذكر شخصيات روحية ووطنية مسيحية وإسلامية عديدة لعبت أدواراً كبيرة في حماية فكرة لبنان الرسالة والعيش الواحد.
لقد أثبتت التجارب أن الأوطان لا تُبنى بالعصبيات والانقسامات، بل ببناء الثقة بين الناس، واحترام التنوّع، والتمسك بالمؤسسات، والإيمان بأن الاختلاف يجب أن يكون مصدر غنى لا سبباً للعداء. فالوطن يبقى أكبر من كل الاصطفافات، ومصلحة الشعوب يجب أن تبقى فوق أي اعتبار طائفي أو مذهبي أو سياسي ضيق.
لبنان اليوم أحوج ما يكون إلى استعادة خطاب الاعتدال الذي مثّله رجال كبار أمثال الشيخ حسن خالد والإمام موسى الصدر والإمام شمس الدين وغيرهم. فوسط هذا الكم من الانقسامات والتشنجات، يبقى الرهان الحقيقي على العقلاء الذين يؤمنون بأن لا مستقبل للبنان إلا بوحدته الوطنية، وبالخروج من منطق الاصطفافات الطائفية إلى منطق الدولة الجامعة التي تحمي الجميع بالتساوي.




