في زمن غياب الفن الجميل والصحافة الراقية،
استرجع بذكرياتي مجموعة من اللقاءات والحوارات مع أهم الشخصيات الفنية والإعلامية اللبنانية والعربية وكذلك الأجنبية التي التقيت بهاعلى مدى عملي لسنوات في الإعلام المكتوب والمسموع.
كان يوما جميلا لا أزال أذكر الشعور الذي اعتراني فيه حتى الآن ..
كنت جالسة في مكتبي الخاص في مجلة “ألوان” الغراء حين ناداني رئيس التحرير الأستاذ مرعي عبد الله أطال الله عمره ليبشرني بأنهاختارني لتغطية مؤتمر صحافي بمناسبة قدوم الفنانة وردة الجزائرية إلى بيروت بعد غياب سنوات طويلة لتحيي حفلة خاصة لجمهورهاالعريض ..
فرحت بهذه المهمة كصحافية ستقابل فنانة كبيرة بحجم وردة ” في يوم وليلة” و” وحشتوني” و” العيون السود” و“حكايتي مع الزمان” و..و..
حضور مؤتمر بهذا الجحم جعلني أتوجه إلى شارع مار الياس القريب من مكتبنا لشراء ملابس جديدة ..
وحل المساء وخرجت متوجهة إلى مكان المؤتمر مع شقيقي فؤاد (صاحب ومدير عام إذاعة راديو ميوزك باور) لنقل وقائع المؤتمر عبر أثيرالإذاعة يرافقنا الزميل المصور أوهانس سركيسيان رحمه الله..
جلسنا في المقاعد المخصصة لنا واستغربنا غياب زملاء وإعلاميين وصحافيين عن الحدث، حتى علمنا أن الجهة المنظمة للحفلة افتعلتمشاكل عدة في المطار عند وصول وردة فضربوا وعنفوا وكسروا كاميرات البعض ..
أطلت الفنانة وردة وبدأت أسئلة الصحافة حتى طلبت المايكروفون لأطرح سؤالي الخاص، وكان ” بعد الترحيب والسعادة بوجودك بيننا اليوم هل يمكن أن نعلم لماذا جاءت هذه العودة اليوم لإحياء حفلة في منتجع لم يكتمل انشاؤه بعد ..وأنت الفنانة الكبيرة ألم يكن الأجدى أن تعوديإلى بيروت في مهرجانات ضخمة بالتعاون مع وزارة الثقافة مثلا بدلا من شركة همها الربح المادي فقط؟ “
لم أسمع جوابا ..ولم احصل على إجابة .. حصلت فقط على لكزة على كتفي الأيمن ..ثم على الأيسر . اعتقدت أنني أحجب الرؤية عن إحدىكاميرات التلفزيون ..
وبعد هنيهة وجدت نفسي في قبضة شخص مفتول العضلات يحاول أن يحملني ليرميني خارجا ..شعرت بالخجل أمام أخي فؤاد بتعرضيلهذا الموقف ..بحثت عنه ولم أجده مكانه إلى أن سمعته يصرخ في القبضايات واللجنة المنظمة(كيف بتسمحوا لحالكن تعاملوا الصحافة هيك؟ ومين انتو أصلا ؟ ما رح نسكت عاللي صار)
وكأن هذه الكلمات زودتني بشحنة من القوة والعنفوان وكبر الرأس .. فرحت أصرخ وأهدد بنشر كل ما حصل في المجلة ..
وتوجهت إلى المنصة لآخد آلة التصوير وتبعني ذلك القبضاي يحاول منعي ..جذبني من يدي لتمد الفنانة وردة يدها وتجذبني ناحيتهاصارخة بوجهه ( سيبها.. ..بقولك سيبها)
.. وتوسعت المشكلة ليصل صاحب المنتجع معتذرا يدعونا لحضور الحفلة مخصصا طاولة ل ٨ أشخاص..فرفضنا وعدنا أدراجنا..
كانت صدمتي أكبر حينما أذيع خبر وصول وردة في نشرة الأخبار المسائية وما واكبها من أحداث مع عبارة لا تزال ترن في أذني وعرضصورتي على الشاشة ( وقد تم استبعاد احدى الصحافيات لسؤال لم يعجب الجهة المنظمة للحفلة )..
أحسست بالإحراج وبأن ما حدث فضيحة في مسيرتي الإعلامية .. حتى أنني لم أفلت من الصحف الصادرة في اليوم التالي…
أجمل ما حصل في هذه الحادثة أنه عند بث التسجيل في الإذاعة سمعنا صوت وردة تصرخ” وديتوا البنت فين ؟رجعوها وإلا مش هكملالمؤتمر.. دي بتسأل كويس” ..
مع بداية يوم جديد عدنا إلى العمل ..جلست في مكتبي مستاءة حتى وصل الأستاذ مرعي ليبادرني قبل تحية الصباح “هل قابلت الفنانةوردة؟” أجبت مطأطئة رأسي ” بهدلوني وطردوني” ابتسم ابتسامة عريضة قائلا ؟ “زعلانة؟ هذا نصر لك وليس بهدلة ..إنها خبطةصحافية ليتها حصلت معي ..يللا اكتبي الموضوع متل ما صار تماما ( أثق أن الأستاذ مرعي سيقرأ المنشور ويؤكد صحته)..
كتبت الموضوع.. ونشر في عدد جديد صدر من ” ألوان“.. وأثار ضجة وانهالت الاتصالات من جهات رسمية وفنية لرئيس التحرير تستنكرما حدث ..من بينها اتصال من صاحب المنتجع معتذرا ويخبره أنه يدعوني لحضور حفلة للفنان إيهاب توفيق مخصصا طاولة في الصفالأول كنوع من رد اعتبار ليقول له الأستاذ مرعي” لن تقبل ” ..علما أنه لم يسألني فقد علمنا منذ البداية المحافظة على كرامتنا وعزة نفسناوألا نرتشي ..
وتعود المطربة وردة بعد فترة إلى لبنان حيث التقيناها خلال مؤتمر صحافي في جونية .. وتلقت وردة وقتذاك باقة ورد جميلة ..وكان أن أوعزإلي ابنها رياض أن أطرح عليها سؤالا عمن أرسلها لترد مع ابتسامة ” إنها من رئيس الجمهورية بمناسبة ذكرى ميلادي” ..
مع انتهاء وقائع المؤتمر نادتني باسمي ” تعالي يا سهيلة.. احكيلي جرى ايه من سنتين ” وكانت جلسة لطيفة استعدنا فيها ما جرى منأحداث..







