لم يعد السفر والسياحة ترفًا أو حكرًا على الأثرياء، بل تحوّل إلى جزء من نمط الحياة المعاصرة، حيث يسعى الأفراد إلى كسر روتينهم السنوي واستكشاف وجهات جديدة.
غير أن عام 2026 يضع هذا القطاع الحيوي أمام اختبار غير مسبوق، في ظل تداخل الأزمات الجيوسياسية مع صدمات الطاقة، ما يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل السفر: هل ما زال متاحًا للجميع، أم أنه يعود تدريجيًا إلى دائرة الامتياز؟
ويرى مرجع معني بالقطاع لـ “اخبار اليوم” ان في قلب هذه التحولات، تقف الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها المباشرة على أسواق النفط، لا سيما مع التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، أحد أهم الشرايين الحيوية لتدفق الطاقة عالميًا. وبالتالي ارتفاع أسعار النفط، بحسب المرجع، لم يعد مجرد مؤشر اقتصادي، بل أصبح عاملًا حاسمًا يعيد تشكيل قطاع السياحة من جذوره، نظرًا لاعتماد هذا القطاع بشكل كبير على النقل الجوي.
ويشير المرجع الى ان هذا الواقع انعكس سريعًا على شركات الطيران، التي وجدت نفسها أمام معادلة صعبة: إما رفع أسعار التذاكر لتعويض كلفة الوقود، أو تقليص عدد الرحلات للحفاظ على استمرارية التشغيل. وفي الحالتين، يدفع المسافر الثمن، سواء عبر كلفة أعلى أو خيارات سفر أقل. علما انه مع إعادة توجيه مسارات الطيران لتفادي مناطق التوتر، ازدادت مدة الرحلات وكلفتها، ما شكل عبئًا إضافيًا على المسافرين.
وردا على سؤال، يوضح المصدر ان التأثير لا يقف عند حدود الأسعار، بل يمتد إلى خريطة السياحة العالمية. فقد بدأت مؤشرات التراجع تظهر بوضوح في عدد من دول الشرق الأوسط، نتيجة تزايد المخاوف الأمنية وتراجع ثقة السائحين. في المقابل، تستفيد وجهات أوروبية وآسيوية من هذا التحول، باعتبارها أكثر استقرارًا وأمانًا، ما يؤدي إلى إعادة توزيع التدفقات السياحية بدل توقفها.
اقتصاديًا، يقول المرجع: يأتي هذا التراجع في وقت يشهد فيه العالم تباطؤًا في النمو وارتفاعًا في معدلات التضخم، ما يضعف القدرة الشرائية للأفراد. حتى الفئات التي لا تزال قادرة على السفر، باتت تميل إلى تقليص مدة الرحلات أو خفض ميزانياتها، في محاولة للتكيّف مع الواقع الجديد.
وبالتالي يخلص المرجع الى القول: رغم كل هذه الضغوط، لم تفقد السياحة زخمها بالكامل. فالرغبة في السفر لا تزال قائمة، بل ربما ازدادت لدى البعض كوسيلة للهروب من ضغوط الحياة اليومية. إلا أن هذه الرغبة تصطدم اليوم بمعادلة أكثر تعقيدًا، حيث لم يعد القرار مرتبطًا فقط بالوجهة، بل بالكلفة والأمان والظروف السياسية.
في المحصلة، يضيف المرجع إن السياحة في عام 2026 لم تتراجع بقدر ما تغيّرت. نحن أمام مرحلة “السفر تحت الضغط”، حيث يستمر القطاع في الحركة، لكن بوتيرة مختلفة وقواعد جديدة. فالعالم لم يتوقف عن السفر، لكنه بات يسافر بحذر أكبر، وبتكلفة أعلى، وضمن خريطة تتبدل ملامحها بسرعة.
وماذا عن لبنان؟ يجيب المرجع: انه حالة خاصة تجمع دائما بين التحديات والفرص في آن واحد. ففي الداخل، يبدو واضحًا أن السفر بالنسبة إلى شريحة واسعة من اللبنانيين لم يعد خيارًا متاحًا كما في السابق، في ظل الأزمة الاقتصادية المستمرة وارتفاع كلفة المعيشة وأسعار تذاكر السفر. وهكذا، يتحول السفر تدريجيًا من عادة سنوية إلى خيار انتقائي يقتصر على فئات محدودة. وفي المقابل، لا تبدو صورة لبنان كوجهة سياحية أكثر استقرارًا. فرغم احتفاظه بعناصر الجذب التقليدية من طبيعة ومطبخ وحياة ليلية، إلا أن العامل الأمني يبقى المحدد الأول لقرار السائح. ومع استمرار التوترات في المنطقة، يتراجع لبنان على سلّم الوجهات المفضلة لدى السياح الأجانب، لصالح دول أكثر استقرارًا، حتى وإن كانت أقل جاذبية من حيث المقومات.
ومع ذلك، يستدرك المرجع قائلا: لا يغيب لبنان بالكامل عن الخريطة السياحية. إذ يستمر المغتربون اللبنانيون في تشكيل العمود الفقري للموسم السياحي، حيث يزورون بلدهم بدوافع عائلية واجتماعية تتجاوز الحسابات التقليدية للسياحة، وإن كان يبقى هذا الواقع هشًا وقابلًا للتأثر بأي تطور أمني مفاجئ.
لذا يمكن القول، بحسب المرجع عينه- ان السياحة مستمرة ولكن بشروط أكثر صعوبة، وحركة السفر قائمة لكنها أكثر كلفة وانتقائية. وبالتالي يجد لبنان دائما نفسه في موقع دقيق، لا هو خارج اللعبة السياحية تمامًا، ولا هو قادر على استعادة دوره السابق بسهولة.

