أبريل 16, 2026

الغارة لحظة… والتلوث زمن

الغارة لحظة… والتلوث زمن
المصدر: نداء الوطن

لا تنتهي الغارة عند لحظة ابتعاد الطائرات أو توقف الضجيج في السماء، بل تبدأ في تلك اللحظة بالذات مرحلة أخرى أقل وضوحًا وأكثر استمرارًا. فبعد مغادرة الصوت، يبقى في المكان أثر غير مرئي يتسلّل إلى الهواء والتربة والمياه، ويعيد تشكيل البيئة المحلية بطريقة بطيئة، تراكمية، وغير قابلة للرصد الفوري.

وفي لبنان، حيث تتكرر الغارات في مناطق مأهولة وتعمل البنية التحتية تحت ضغط مزمن من التدهور الاقتصادي والبيئي، لا يمكن النظر إلى الغارة كحدث منفصل، بل كعامل مستمر يضيف طبقات جديدة من الضغط على نظام بيئي يعيش أصلًا فوق حدوده الطبيعية.

عندما تضرب الغارات بيئة منهكة

وفق تقديرات البنك الدولي، يعيش جزء كبير من السكان في مناطق تتجاوز فيها مستويات تلوث الهواء الحدود التي توصي بها منظمة الصحة العالمية، خصوصًا في ما يتعلق بالجسيمات الدقيقة PM2.5، وهي من أكثر الملوثات خطورة لقدرتها على اختراق الجهاز التنفسي والوصول إلى مجرى الدم.

في هذا السياق، يوضح خبير بيئي سابق في برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) أنه: “حين يكون النظام البيئي مشبعًا أصلًا بالتلوث، فإن أي ضغط إضافي مثل الغارات لا يضيف فقط عبئًا جديدًا، بل يعيد توزيع الملوثات الموجودة أصلًا ويزيد من تشتتها في الهواء والماء والتربة”.

وبهذا المعنى، لا تأتي الغارات إلى بيئة محايدة، بل إلى نظام يعيش أصلًا حالة إنهاك مزمن، ما يجعل أثرها ممتدًا ومتراكبًا بدل أن يكون لحظيًا.

الدخان: سحابة لا تغادر

وبعد كل غارة، لا ينتهي المشهد مع انتهاء الحركة في السماء، بل يتشكل في الأرض ما يمكن وصفه بسحابة كيميائية معقدة. فالدخان الناتج لا يتكون من عنصر واحد، بل من خليط من الجسيمات الدقيقة والغازات السامة الناتجة عن احتراق مواد البناء، البلاستيك، المعادن، والوقود، إضافة إلى بقايا مكونات الأبنية والمركبات.

وتشير منظمة الصحة العالمية (WHO) إلى أن احتراق المواد الحضرية المختلطة في بيئات كثيفة السكان يؤدي إلى إطلاق مستويات مرتفعة من الجسيمات الدقيقة PM2.5، إضافة إلى مركبات عضوية متطايرة وأكاسيد النيتروجين، وهي ملوثات ترتبط بزيادة أمراض الجهاز التنفسي وتفاقم الربو والتهابات الرئة.

ويحذر خبراء برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) من أن هذا الدخان لا يتبدّد بالكامل، بل يتحول إلى ما يشبه “غبارًا ثانويًا” يعاد تدويره داخل البيئة عبر الهواء والأسطح والتربة، ما يجعل أثر الغارات ممتدًا حتى بعد انتهاء الحدث بوقت طويل.

وتشير دراسات في مناطق نزاع سابقة، بينها العراق، إلى أن المعادن الثقيلة يمكن أن تبقى في التربة الزراعية بين 20 إلى 30 عامًا، مع استمرار انتقالها في السلسلة الغذائية في حال غياب الرصد البيئي المستمر.

الحياة تحت أثر الغارات

من جنوب لبنان، يروي مزارع لـ “نداء الوطن” حجم هذا الغموض المتراكم: “لم نعد نعرف ماذا نفعل بالأرض بعد أي غارة قريبة. لا توجد جهة تأتي لتفحص التربة أو تأخذ عينات. نحن نزرع ونحن لا نعرف إن كانت الأرض ما زالت صالحة. المشكلة ليست فقط في الخسارة، بل في فقدان اليقين”.

وبينما تُرصد هذه التحولات على المستوى البيئي، ينعكس أثر الغارات بشكل مباشر على الحياة اليومية للسكان، حيث تصبح الأعراض جزءًا متكررًا من الإيقاع اليومي بعد كل تصعيد.

تقول أم لطفلين في منطقة قريبة من مواقع الغارات لـ “نداء الوطن”: “في كل مرة تحدث غارة قريبة، نلاحظ أن الأطفال يبدأون بالسعال بشكل متكرر، خصوصًا في الليل. لا نعرف إذا كان السبب هو الغبار أو الدخان أو أي شيء آخر في الهواء، لكننا نرى النمط نفسه يتكرر بعد كل مرة، ونعيش على أمل أن يختفي لكنه يعود دائمًا”.

وفي أحد المستشفيات المحلية، يقول عامل صحي: “خلال الأيام التي تلي كل تصعيد جوي، نرى زيادة واضحة في حالات ضيق التنفس والسعال الحاد، خصوصًا لدى الأطفال وكبار السن. لكننا لا نملك نظامًا يوثق العلاقة بين هذه الحالات والتغيرات البيئية بشكل رسمي، لذلك تبقى الملاحظة موجودة لكنها غير محوّلة إلى بيانات”.

ومن زاوية تحليلية أوسع، يوضح خبراء البيئة أن ما يحدث ليس تلوثًا تقليديًا، بل إعادة تشكيل كاملة للنظام البيئي. كل غارة تعيد توزيع المواد الكيميائية في الهواء والتربة والمياه، ومع التكرار يصبح الحمل البيئي أثقل وأقل قابلية للتعافي” .

الصحة العامة: أثر يتراكم قبل أن يُرى

تشير منظمة الصحة العالمية (WHO) إلى أن التعرض المزمن للجسيمات الدقيقة PM2.5 والمعادن الثقيلة يرتبط بزيادة مخاطر أمراض القلب والرئة، والربو المزمن، وبعض أنواع السرطان.

لكن طبيعة هذا الأثر أنه لا يظهر مباشرة بعد الغارات، بل يتراكم تدريجيًا، ما يجعل العلاقة بين السبب والنتيجة غير مرئية على المدى القصير رغم وضوحها العلمي على المدى الطويل.

ولا يقتصر هذا النمط على لبنان. ففي مناطق نزاع أخرى مثل غزة وأوكرانيا، وثقت تقارير بيئية آثارًا طويلة الأمد للغارات والعمليات الجوية على التربة والمياه، امتدت لعقود بعد توقف العمليات.

وهذا يعكس تحولًا أوسع في طبيعة الحروب الجوية الحديثة، التي لم تعد أحداثًا لحظية، بل عمليات بيئية ممتدة تعيد تشكيل النظم الطبيعية على المدى الطويل.

عن المؤلف


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شارك برأيك
استفتاء عام

📊 رأيك يهمنا

شارك بتصويتك والتأثير في الرأي العام

🎤 برأيك، ما هو الموضوع الأبرز الذي يشغل حديث الناس في هذه الظروف؟

١
⚔️ الحرب 39%
٢
🏛️ السياسة 29%
٣
💰 الوضع الاقتصادي 32%

جاري تسجيل تصويتك...